دخلت العلاقات الإسبانية الجزائرية مرحلة جديدة من الحسابات الدبلوماسية الدقيقة، بعدما أفادت صحيفة «ذا أوبجيكتيف» الإسبانية بأن رئيس الحكومة بيدرو سانشيز قرر تأجيل القمة الثنائية المرتقبة مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، والتي كان مقرراً عقدها في مدريد أواخر أكتوبر الجاري.
وبحسب المصدر ذاته، فقد أبلغت الحكومة الإسبانية السلطات الجزائرية، خلال الساعات الأخيرة، قرار التأجيل بشكل مفاجئ، رغم أن التحضيرات الرسمية للاجتماع رفيع المستوى كانت قد قطعت أشواطاً متقدمة، ما يجعل القرار محملاً برسائل سياسية تتجاوز مجرد تعديل في الأجندة الدبلوماسية.
وكان مقرراً أن تنعقد الدورة المقبلة من الاجتماع رفيع المستوى بين مدريد والجزائر يوم 20 أكتوبر، على أن تستمر في اليوم الموالي عبر لقاءات مع رجال الأعمال وبرنامج من الأنشطة الرسمية والاقتصادية، قبل أن تقلب مدريد الجدول وتقرر التأجيل.
وتأتي الخطوة الإسبانية في توقيت بالغ الحساسية، خصوصاً مع اقتراب الزيارة المرتقبة للعاهلين الإسبانيين، الملك فيليبي السادس والملكة ليتيزيا، إلى سبتة ومليلية المحتلتين يومي 13 و14 أكتوبر. وهو ما يفتح الباب أمام قراءة القرار في سياق أوسع يرتبط بتوازنات مدريد بين الرباط والجزائر.
وتشير المعطيات التي أوردتها الصحيفة الإسبانية إلى أن التحضير لزيارة الملك والملكة إلى المدينتين المحتلتين قد يكون أحد العوامل التي دفعت الحكومة الإسبانية إلى إعادة النظر في موعد القمة مع الجزائر، تفادياً لتزامن حدثين دبلوماسيين شديدي الحساسية في فترة زمنية قصيرة.
فمدريد تدرك جيداً أن زيارة العاهلين الإسبانيين إلى سبتة ومليلية لا يمكن فصلها عن الحسابات المغربية، خصوصاً في ظل حساسية ملف المدينتين، كما تدرك في المقابل أن أي خطوة قد تُقرأ في الرباط باعتبارها استفزازاً أو اصطفافاً جديداً، يمكن أن تنعكس على علاقاتها مع المغرب.
والأكثر تعقيداً أن إسبانيا قد تجد نفسها أمام معادلة دبلوماسية صعبة: علاقات متوترة مع الجزائر من جهة، واحتمال صدور رد فعل مغربي على زيارة العاهلين إلى سبتة ومليلية من جهة أخرى. وبذلك تتحول مدريد إلى نقطة تقاطع بين خلافين مغاربيين شديدي الحساسية، في وقت تحاول فيه الحفاظ على مصالحها مع الجارين الجنوبيين.
ويبدو أن سانشيز لا يريد أن تتحول القمة الإسبانية الجزائرية إلى مناسبة تزيد من تعقيد المشهد، خصوصاً إذا تزامنت مع تطورات مرتبطة بزيارة الملك والملكة. فالدبلوماسية الإسبانية أصبحت مطالبة بالسير فوق حبل مشدود، حيث يمكن لأي خطوة محسوبة بشكل خاطئ أن تعيد فتح ملفات كانت مدريد قد بذلت جهداً لإدارتها بهدوء.
ويطرح تأجيل القمة، في المقابل، سؤالاً أكبر حول طبيعة العلاقة الحالية بين مدريد والجزائر، وما إذا كان القرار مجرد تأجيل تقني أم أنه يعكس صعوبة سياسية متزايدة في ترتيب أجندة مشتركة بين الطرفين.
كما أن توقيت التأجيل يضع المغرب بشكل غير مباشر في قلب المعادلة، ليس باعتباره طرفاً في القمة المؤجلة، وإنما باعتباره عاملاً حاضراً في الحسابات الإسبانية المتعلقة بكل من الجزائر وسبتة ومليلية.
وبين القمة المؤجلة وزيارة العاهلين المرتقبة، تبدو مدريد أمام اختبار دبلوماسي حقيقي: كيف تحافظ على قنوات التواصل مع الجزائر، دون أن تدفع علاقتها مع المغرب إلى مرحلة جديدة من التوتر؟ وكيف تدير ملف سبتة ومليلية دون أن يتحول إلى شرارة تعيد ترتيب حساباتها في المنطقة؟
المؤكد أن قرار تأجيل القمة لم يأتِ في فراغ، وأن الأيام المقبلة قد تكشف ما إذا كان الأمر مجرد إعادة جدولة مؤقتة، أم مؤشراً على أن الحسابات المغاربية باتت تفرض نفسها بقوة على أجندة القرار الإسباني










