تونس عطشى.. الكهرباء تنقطع.. والحرارة تحاصر المواطنين! هكذا يبدو المشهد في بلد وجد نفسه خلال غشت الجاري أمام أزمة خانقة في المياه المعدنية وانقطاعات متكررة للكهرباء، فيما تتسع دائرة الغضب الشعبي وتتحول أزمة الخدمات الأساسية إلى صداع سياسي يلاحق السلطة.
لم تعد القنينة مجرد منتج استهلاكي في تونس، بل أصبحت عنواناً لأزمة أعمق. فمع موجة الحر الشديدة وارتفاع الطلب على المياه المعدنية، بدأت الإمدادات تتعثر، وظهرت اضطرابات في الإنتاج والتوزيع، بينما كان المواطنون يواجهون في الوقت نفسه انقطاعات متكررة للكهرباء.
وتزداد حساسية المشهد في بلد يعد من أكبر مستهلكي المياه المعبأة عالمياً، بمعدل يصل إلى نحو 244 لتراً سنوياً للفرد، وفق ما أوردته مجلة «جون أفريك». ومع ارتفاع درجات الحرارة، تحول البحث عن المياه إلى معركة يومية بالنسبة إلى عدد من الأسر.
وفي 20 غشت، خرج مئات الأشخاص في مسيرة وسط العاصمة تونس للاحتجاج على طريقة التعامل مع الأزمة، في مشهد كشف أن الغضب لم يعد حبيس المنازل ومواقع التواصل الاجتماعي، بل بدأ ينتقل إلى الشارع.
الكهرباء بدورها دخلت دائرة الانهيار والضغط. فقد أدى الاستعمال المكثف لمكيفات الهواء بسبب موجة الحر إلى زيادة الضغط على الشبكة، بحسب الشركة التونسية للكهرباء والغاز «ستاغ»، بينما ربطت الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه «صوناد» اضطرابات المياه بارتفاع الطلب وانقطاعات الكهرباء.
وفي 22 غشت، رفع الرئيس التونسي قيس سعيّد سقف التصريحات، واصفاً الوضع بـ«غير الطبيعي»، ومتحدثاً عن جهات قال إنها تقف وراء انقطاعات متعمدة بهدف تأجيج الغضب الشعبي.
تصريح فتح الباب أمام سؤال أكبر: هل ما يحدث مجرد أزمة طاقة ومياه فرضتها الحرارة والطلب المرتفع، أم أن وراء المشهد حسابات أخرى؟
السلطات سارعت إلى إجراءات استثنائية لمحاولة تطويق الأزمة، من بينها الدعوة إلى ترشيد استهلاك الكهرباء، وإرسال شاحنات محملة بالمياه المعالجة إلى عدد من المناطق، ومنع تشغيل مكيفات الهواء في الإدارات الحكومية ابتداءً من العاشرة صباحاً.
ففي 24 و25 غشت، استمرت اضطرابات الكهرباء ومياه الشرب في عدد من المناطق، فيما بقيت درجات الحرارة المرتفعة تضغط على المواطنين وعلى شبكات الخدمات.
مستشفيات وإدارات ومنشآت صناعية وجدت نفسها بدورها أمام تداعيات الانقطاعات، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً أخرى مرتبطة بنقص بعض الأدوية والوقود، ما يجعل أزمة الخدمات جزءاً من مشهد اقتصادي واجتماعي أكثر تعقيداً.
فالغضب الذي يتصاعد في تونس لا يبدو مرتبطاً بقنينة ماء مفقودة أو بانقطاع كهربائي لساعات فقط، وإنما يعكس، وفق قراءة «جون أفريك»، استياءً أوسع من ظروف المعيشة ومن أداء الخدمات الأساسية.
ومع ضعف المعارضة السياسية، وجدت أصوات الغاضبين طريقها بقوة إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تحولت الانقطاعات إلى مادة يومية للسخرية والانتقاد والاحتجاج.
عبارة تحمل في طياتها أكثر من شكوى من الحرارة أو العطش؛ إنها تختصر شعوراً متنامياً بأن الأزمات أصبحت تتراكم فوق بعضها البعض، وأن المواطن يدفع ثمن الاختلالات من راحته وقدرته على تدبير حياته اليومية.
وفي بلد يعيش أصلاً على وقع ضغوط اقتصادية واجتماعية، فإن أزمة الماء والكهرباء قد تبدو في ظاهرها أزمة موسمية، لكنها سياسياً تحمل شحنة أكبر بكثير.
فحين ينقطع التيار الكهربائي في عز الحر، وحين يصبح الحصول على المياه المعدنية مهمة شاقة، وحين تصل التداعيات إلى المستشفيات والإدارات والمصانع، فإن السؤال لا يعود فقط: متى ستعود الكهرباء؟
بل يصبح السؤال: إلى متى تستطيع الدولة إدارة الأزمات قبل أن يتحول الغضب الاجتماعي إلى أزمة ثقة؟
تونس اليوم أمام صيف ساخن بكل المعاني. حرارة قياسية، ضغط على الماء والكهرباء، غضب في الشارع، وانتقادات متزايدة على منصات التواصل الاجتماعي.
وبينما تبحث السلطات عن حلول عاجلة، يبحث المواطن التونسي عن أبسط حقوقه اليومية: ماء يشربه، وكهرباء تضيء منزله، وخدمات عمومية لا تنهار عندما ترتفع درجات الحرارة.
وقد يكون أخطر ما في المشهد أن «صيف الانقطاعات» لم يعد مجرد وصف لأزمة عابرة، بل بدأ يتحول إلى عنوان سياسي لمرحلة كاملة من الاحتقان.









