مستجدات

حين تنقلب القيم: أزمة الوعي والذوق في المجتمع المعاصر

طاقم ALLNEWS27 فبراير 2025
حين تنقلب القيم: أزمة الوعي والذوق في المجتمع المعاصر

الأستاذ زهير أصدور

في المجتمعات التي تحرص على بناء بيئة سليمة اجتماعيًا وثقافيًا واقتصاديًا، نجد أفرادها أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات، بل وأكثر إصرارًا على صناعة مستقبل يليق بهم. فالتاريخ لم يصنعه إلا أولئك الذين آمنوا بوطنهم، ورفضوا الخضوع للواقع المفروض، وسعوا إلى تغييره بكل ما أوتوا من قوة وإرادة.

لكن حين نتمعن في الواقع العربي اليوم، نجد أنفسنا أمام مشهد مغاير تمامًا، حيث تحولت القيم، وانقلبت الأولويات، وأصبح الانسياق خلف ثقافة الاستهلاك والترفيه السطحي هو السمة الطاغية. لم يعد المثقف هو القدوة، ولم يعد النقاش الفكري محور الاهتمام، بل حلّ مكانه أصحاب المال والمشاريع التجارية والمشاهير بكل تلويناتهم، حتى أولئك الذين لا يقدمون أي قيمة مجتمعية حقيقية. بل أصبح البعض يرى في المتحولين جنسيًا الذين حققوا الشهرة والمال قدوة، في وقت كان فيه المناضلون الحقيقيون هم الذين يدافعون عن القضايا العادلة، ويحملون هموم أوطانهم وشعوبهم.

في القرن العشرين، عرفت المجتمعات العربية انتشار العديد من الإيديولوجيات الفكرية، من قومية واشتراكية وإسلامية وليبرالية، التي شكلت منطلقًا لنقاشات كبرى، حيث كان الناس يتجادلون في قضايا المصير الوطني والتنمية والسيادة. لكن، مع تحولات العصر الحديث، وجدنا أنفسنا في زمن تتحكم فيه مواقع التواصل الاجتماعي في تشكيل الوعي، وليس عبر القراءة والبحث والتفكير النقدي.

أصبح المواطن العربي يعتمد على “تيك توك” و”يوتيوب” للحصول على المعلومة، دون أن يكلف نفسه عناء التحقق من صحتها أو البحث عن مصدرها. صار يستهلك ما يُعرض أمامه بلا تمحيص، في وقت كانت فيه القراءة منارة العقول، والنقاش الفكري أداة لتطوير المجتمعات.

لم يعد السؤال اليوم: أي فكر يمكن أن يقود الأمة نحو التقدم؟ بل أصبح: أي محتوى تافه قادر على جلب أكبر عدد من المشاهدات والتفاعل؟!

إن عودة الوعي الجماعي وتحسين الذوق العام ليسا مهمة مستحيلة، لكنهما يحتاجان إلى إرادة سياسية ومجتمعية حقيقية. فلا يمكن أن نطلب من المواطن أن يرفع مستوى وعيه، بينما كل المؤثرات من حوله تدفعه نحو السطحية والتسطيح. كيف نقنعه بأهمية الثقافة، بينما يرى أن المال والشهرة هما المعيار الوحيد للنجاح؟

الحل يبدأ من إعادة الاعتبار للنموذج الثقافي في المجتمع، من خلال:

  1. إصلاح منظومة التعليم بحيث لا يكون مجرد أداة لتخريج طلاب يركضون وراء الوظائف، بل فضاءً لبناء العقول الناقدة والمبدعة.
  2. إعادة هيبة المثقف الحقيقي عبر خلق منصات تُبرز الفكر الرصين، وتواجه الرداءة التي تملأ الفضاء الرقمي.
  3. إنتاج محتوى إعلامي وثقافي هادف ينافس ثقافة “الترند” السطحية، ويُعيد تشكيل الذوق العام نحو قيم الجمال والمعرفة.
  4. تحفيز الشباب على القراءة والتفكير النقدي من خلال برامج تشجيعية ومسابقات وطنية تجعل من الثقافة جزءًا من هوية المجتمع.

إن إعادة الاعتبار للثقافة ليست ترفًا، بل ضرورة استراتيجية، لأن المجتمع الذي ينهار فيه الوعي، يسهل قيادته نحو الضياع. والذوق الانتخابي، مثل الذوق الثقافي، لا يمكن تحسينه إلا إذا استعاد المواطن ثقته في أن اختياراته تصنع الفارق.

لقد خسرنا معركة الوعي حين سلمنا عقولنا لمنصات الترفيه الفارغ، لكننا لم نخسر الحرب بعد. لا تزال هناك فرصة لاستعادة الأمل، وبناء جيل جديد يؤمن بأن الحرية والكرامة لا يصنعهما الجهل والتبعية، بل تصنعهما المعرفة والإرادة.

الاخبار العاجلة