انتهاكات بالجملة لم تسلم منها لا الحقوق العينية و لا الأحكام الشرعية
تحقيق: الخياطي الهاشمي + الهادي بنعمر

تتوالى الوقفات الاحتجاجية للباعة الجائلين أمام مقر عمالة مكناس ، لاسترعاء انتباه السلطات المحلية و فضح الخروقات التي طالت مشروعا ، أُنجز لحل مشاكل الباعة المتجولين ، ليصبح هو نفسه مشكلا عويصا لم ينج من أضراره لا الأحياء ولا الأموات.
كيف ذلك ؟ وما دخل موتانا في كل هذا؟
للإجابة عن هذا السؤال ، يجب العودة إلى سنة 2017 و بالتحديد إلى الدورة العادية التي انعقدت يوم الخميس 4 مايو ، حيث قرر المجلس الجماعي تخصيص النقطة 6 من جدول أشغال الدورة ، للدراسة و الموافقة على إنجاز سوق نموذجي لصالح الباعة المتجولين ، في إطار شراكة بين عمالة مكناس و اللجنة الإقليمية للمبادرة الوطنية والجماعة.
الكل رحب بالفكرة و بالمشروع ، لأن الكل كان ينتظر إيجاد حل نهائي للباعة ، الذين كانوا ولا زالوا يحتلون ” شارع “السكاكين” والأزقة المؤدية إلى هذا المركز الاقتصادي الهام ، الذي أصبح على مر الأيام محتلا بكامله .
أين تكمن المشكلة إذن ؟
المشكلة هي أن العقار الذي اختارته الجماعة الترابية لإنجاز هذا المشروع ليس ملكا لها. بل هو ملك لوزارة الاوقاف و الأفدح والأفظع أن هذه “الأرض” البالغة مساحتها 11.400م2، ليست بخلاء بل هي مقبرة للمسلمين. مما دفع بنظارة الأوقاف إلى مراسلة المجلس البلدي لإيقاف هذا الاعتداء الشنيع الذي تعرضت له مقبرة ” لالة اجميلية“
لكن الجماعة الترابية، حسب المتتبعين للشأن المحلي، كانت مصرة على متابعة الأشغال ضاربة عرض الحائط الظهير الشريف رقم 236. 09 .1 الصادر في 23 فبراير 2010 المتعلق بمدونة الأوقاف، خاصة المادة 50 منه ، التي تنص بصيغة حصرية و قطعية ، على أن المقابر الإسلامية تعتبر وقفا عاما إلى جانب المساجد والزوايا والأضرحة وتتولى تدبير شؤونها وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية. بمعنى أن لا أحد يحق له التصرف فيها وذلك تطبيقا للمادتين 14 و19 من مدونة الحقوق العينية.
و أمام هذا الخرق السافر و الاأخلاقي و الاإنساني ، بادرت نظارة الأوقاف بمكناس إلى رفع دعوى قضائية أمام المحكمة الإدارية بتاريخ 12 دجنبر 2019 لإيقاف هذا الترامي على ملك الغير الذي تسبب في اغتصاب كرامة مئات المقبورين الذين شوهت رفاتهم .
لكن الحكم جاء مخيبا لآمالها ، حيث قضت المحكمة الإدارية بمكناس بعدم قبول الدعوى، رغم أن الشريعة الإسلامية الغراء رعت شؤون الإنسان عند الموت و مواراته التراب بعدم الاعتداء على قبره. لأن القبر “حبس” على صاحبه .
وزارة الأوقاف عن طريق نظارتها سارعت إلى استئناف حكم المحكمة الإدارية. حيث قضت محكمة الاستئناف بالحكم لصالح الأوقاف ، وكان ذلك بتاريخ 14 مايو من سنة 2021. إلا أن جماعة مكناس ،عوض أن تحترم وتعترف بهذا الإقرار القضائي ، لجات إلى محكمة النقض التي لم تقل كلمتها بعد.
و إذا كانت المحكمة العليا في البلاد لها الكلمة الأخيرة و أحكامها ملزمة ، فإن المادة 240 من قانون أصول المحاكمات المدنية أو التجارية ، تنص على أن الطعن بطريق النقض لا يوقف تنفيذ الحكم المطعون فيه ما لم تقرر المحكمة خلاف ذلك. ليبقى حكم الاستئناف قائما و ملزم ، ورغم ذلك استمرت الجماعة الترابية في ارتكاب انتهاكاتها للقانون وللشريعة الإسلامية.
وبما أن مشروع السوق النموذجي هذا ساهمت في تمويل إنجازه المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بعشرات العشرات من الملايين ، رغم شوائبه وكثرة خروقاته من ترام على ملك الغير و انتهاك حرمة مقبرة للمسلمين محمية شرعا و قانونا ، اتصلنا بأحد المسؤولين عن أقسامها الذي تغافل الإجابة عن سؤال الترامي على ملك الأوقاف، واختصر بالقول:” إن المجلس العلمي المحلي أصدر فتوى تجيز مشروعية بناء السوق النموذجي ، لكون المقبرة عمرت أكثر من أربعين سنة”. لكن حجة التقادم هذه سرعان ما تبخرت بعدما أكدنا له أننا قبل لقائنا به ،كان لنا اتصال بذوي الاختصاص من فقهاء و علماء الذين افادوا بأن المدة التي يبلى فيها القبر ليس فيها حد. لا أربعون سنة ولا مائة سنة ولا أكثر ولا أقل ما دام هناك رفات باقية.

الفتوى و قانونيتها
جواب المسؤول لم يكن مقنعا بل جعلنا نتساءل عن حقيقة هاته الفتوى المحلية . لأنه برجوعنا إلى الفصل 21 من دستور 2011 ،يعتبر المجلس العلمي الأعلى الجهة الوحيدة المؤهلة لإصدار الفتاوى التي تعتمد رسميا في شأن المشاكل المحالة إليه ، استنادا إلى مبادئ و أحكام ديننا الحنيف و مقاصده السمحة.
كيف استطاع مسؤولو المجلس البلدي واللجنة الإقليمية للمبادرة الوطنية انتزاع فتوى من هذا القبيل رغم عدم احقيتهم في ملكية عقار هو أصلا مقبرة إسلامية ؟
بعد ما حكمت محكمة الاستئناف لصالح الأوقاف ، و أمام الضغط المتزايد و استنكارات الرأي العام المحلي، قرر أصحاب المشروع طرق باب رئيس المجلس العلمي آنذاك ، لاستصدار قرار بمثابة فتوى بعدما قاموا بتغليف الحقيقة بقولهم ، حسب ما كشف لنا السيد رئيس المجلس العلمي في تصريح له ” إن المشروع المزمع إنجازه يوجد على أرض محاذية لمقبرة “لالة اجميلية ” وليس بالمقبرة نفسها. وهذا تضليل للحقيقة. وهذا ما مكنهم بوثيقة “الفتوى” التي تقول حسب المعلومات الشفهية التي أبلغنا بها من طرف السيد رئيس المجلس العلمي و التي جاء فيها : إن المجلس العلمي لا يرى مانعا شريطة احترام رفات الأموات، و عدم جعل المقبرة مطرحة للأتربة و نفايات الاشغال.”

وبهذا يمكن القول، إن مسؤولي المجلس البلدي آنذاك ، استغلوا النقص الحاصل في التواصل بين نظارة الاوقاف والمجلس العلمي ليعثوا فسادا في مقبرة ذات حرمة ، بعدما انتهكوا ما لا يحل انتهاكه ليبقى مشروع المركب التجاري محطة عدة تساؤلات تحتاج إلى أجوبة.
سوق لالة الجميلية بين التجاوزات و عدم احترام المساطر القضائية و الشرعية
بالرجوع إلى المعلومات الشفوية الصادرة عن نظارة الأوقاف التي أكدت فيها صدور قرار قضائي استئنافي يقر بأحقية ملكية العقار المذكور لفائدة هذه الأخيرة، يتبين أن أشغال البناء التي طالت المقبرة المذكورة أعلاه ، تشكل انتهاكا صريحا و صارخا لحرمة ملكية العقار و قدسية المكان. لذلك إذا رجعنا بالتحديد إلى الدورة العادية المنعقدة يوم الخميس 4 مايو من سنة 2017 ، نجد أن المجلس بجميع مكوناته خطط للإجهاز على مقبرة لالة اجميلية ، وهذا ما يتضح في النقطة السابعة من مقتضيات جدول أعمال هذه الدورة.

و ما ترتب عنها من وقائع و أدلة قانونية توحي كلها أن إقدام المجلس على بناء السوق ومحطة لوقوف السيارات و فتح طريق معبدة، يتنافى كليا مع مفهوم الرسالة الملكية المؤرخة في 30/12 /2016 والموجهة إلى وزير العدل آنذاك ، بخصوص ظاهرة الاستيلاء على أملاك الغير، التي بفضلها تم صدور القانون 18. 32 ، و كذا القانون ضابط البناء الهام ، المصادق عليه بالمرسوم الحكومي 577. 18. 2الصادر في 12 يونيو 2019.
رغم كل هذه الترسانة القانونية، و رغم كل الوثائق الإدارية و تصاميم التهيئة المتتالية الموثقة بها مقبرة لالة اجميلية ، ورغم السجل العقاري رقم R 22895 /05 أصر المجلس السابق عن سبق إصرار وترصد ،على انتهاك حرمات هذه المقبرة ، التي أصبحت مع الأسف الشديد مطرحة للأزبال و الأتربة ،أضف إلى ذلك احتلال جنباتها بأبنية عشوائية تناثرت كالفطريات دون حسيب و لا رقيب . هذا من ناحية…

أما من ناحية أخرى، فيجب التذكير أن الباعة المتجولين الذين شملهم الإحصاء قصد الاستفادة من محلات هذا السوق ، قاموا ببعث عدة رسائل إلى من يهمهم الأمر ، من أجل توضيح مجموعة من الخروقات التي طالت تشييد هذا السوق ، و كذا طرق الاستفادة التي لم تكن منصفة . و من بين هذه الخروقات التي تنص عليها الرسائل التي حصلنا على نسخ منها، نذكر على سبيل المثال لا الحصر:
– افتقاد السوق للمعايير المسطرة بالتصميم الهندسي الأصلي ، خاصة في ما يتعلق بمساحة المحلات التي لم تحترم أبعادها، إذ أصبحت هذه المحلات عبارة عن أقفاص .

– رفض رئيس الجمعية أي اجتماع مع البائعين الجائلين ، الذين أدوا ثمن الانخراط في المشروع ، والذي يقدر ب 5000 درهم لكل مستفيد. و كذا رفضه الكشف عن لائحة المستفيدين التي تقارب اليوم 776 فردا. و”العاطي باقي يعطي. “
و أمام صمت المسؤولين ، وعدم الاستجابة لمطالبهم و الأخذ بعين الاعتبار تظلماتهم ، لجأوا بدورهم إلى القضاء ، حيث قاموا برفع دعوى قضائية ضد الجمعية، خاصة بعدما انتشرت بعض التسريبات التي تبرهن عن الاختلالات وتجاوزات بعض أعضاء الجمعية ، الذين اتخذوا من هذا المشروع مطية لبلوغ مآربهم . و هذا ما سنوضحه بعودتنا إلى هذا الموضوع الشائك الذي يصعب حله اذا لم تتدخل السلطات المختصة.









