مستجدات

الحكومة الجديدة.. اقتسام الكراسي لا يصنع الإصلاح!

طاقم ALLNEWS17 أكتوبر 2026
الحكومة الجديدة.. اقتسام الكراسي لا يصنع الإصلاح!

هاشــم الخياطــي

حين تنشغل الأحزاب بتدبير مواقعها داخل السلطة، يصبح المواطن آخر من يعلم، وأول من يدفع ثمن الوعود المؤجلة.

مرة أخرى، يجد المغاربة أنفسهم أمام مشهد سياسي مألوف: حكومة جديدة، وتوافقات حزبية، وخطاب منمّق عن الانسجام والإصلاح والعدالة الاجتماعية. لكن السؤال الذي يفسد حفلة التهاني ويُربك حسابات السياسيين هو نفسه: ما الذي سيتغير فعلياً في حياة المغاربة، غير أسماء الجالسين حول طاولة القرار؟

تشكيل الحكومة ليس إنجازاً في حد ذاته، كما أن نجاح الأحزاب في التفاوض على مواقعها ليس دليلاً على نجاحها في تدبير شؤون البلاد. فالمناصب تُوزع في ساعات، والبلاغات تُصاغ في دقائق، أما إصلاح التعليم والصحة، ومحاربة البطالة، وحماية القدرة الشرائية، فلا تنجزها الصور التذكارية ولا عبارات الانسجام التي تُستهلك عند كل محطة سياسية.

المشكلة ليست في أن تتفاوض الأحزاب، ولا في أن تتقاسم المسؤوليات وفق قواعد العمل الديمقراطي؛ المشكلة أن يتحول التفاوض إلى غاية، وأن يصبح الوصول إلى الحكومة انتصاراً حزبياً يُحتفى به قبل أن يعرف المواطن ما إذا كان هذا الوصول سيُترجم إلى مكاسب اجتماعية واقتصادية حقيقية.

أي مشروع يجمع هذه الأحزاب، غير الرغبة في تدبير السلطة؟ وأين تنتهي الحسابات الانتخابية وتبدأ الالتزامات السياسية؟ وما الذي يمنع أن يتحول الانسجام المعلن إلى مجرد هدنة بين شركاء، يتفقون على اقتسام المسؤوليات أكثر مما يتفقون على مواجهة الاختلالات؟

إن أخطر ما في الخطاب السياسي ليس ما يقوله صراحة، بل ما يتعمد تركه غامضاً. فعندما تتصدر كلمات من قبيل «الإصلاح» و«الإنصاف» و«العدالة الاجتماعية» واجهة البلاغات، من دون أن تقترن بالتزامات محددة وآجال واضحة ومؤشرات قابلة للقياس، يصبح من حق المغاربة أن يتساءلوا عما إذا كانت هذه المفردات تعبر عن برنامج حقيقي أم أنها مجرد غطاء لغوي لتوافقات صُنعت داخل الغرف الحزبية.

أما المواطن، الذي يواجه الغلاء ويصطدم بضعف الخدمات ويبحث أبناؤه عن فرص العمل، فلا يستطيع دفع فواتيره بالشعارات، ولا ينتظر تحسناً في حياته من عدد الأحزاب المشاركة في الحكومة. إنه يريد مدرسة عمومية تليق بأبنائه، ومستشفى يصون كرامته، وشغلاً يحفظ استقراره، والأمن في شوارع مدنه ، وسياسات تحد من الفوارق بدل أن تكتفي بوصفها والاعتراف بخطورتها.

والأكثر إحراجاً أن بعض الأحزاب التي بنت خطابها على المرجعيات الاجتماعية والإصلاحية تجد نفسها اليوم أمام اختبار المصداقية: هل دخلت الحكومة لتغيير السياسات من الداخل، أم لتغيير موقعها من خارج السلطة إلى داخلها؟ وهل ستدافع عن أولوياتها المعلنة حتى عندما تصطدم بحسابات الأغلبية، أم ستكتشف، كما حدث في تجارب سياسية سابقة، أن الحفاظ على التوافق قد يصبح أهم من الوفاء للوعود؟

لا يكفي أن يرفع الحزب شعار الدفاع عن الفئات الشعبية قبل المشاركة الحكومية، ثم يطلب من هذه الفئات تفهّم الإكراهات بعد دخوله إلى السلطة. ولا يكفي أن يَعِد بالإصلاح في المعارضة، ثم يحتمي بتعقيدات التحالفات عندما يصبح شريكاً في القرار. فمن يشارك في الحكم يتحمل مسؤوليته، ولا يحق له أن يحتكر مكاسب السلطة ويتقاسم أعذار الفشل.

وهنا تحديداً ينبغي أن تبدأ المحاسبة، لا أن تنتهي. فالحكومة التي لا تعلن بوضوح ما ستنجزه، وكيف ستنجزه، ومتى ستنجزه، تترك لنفسها مساحة واسعة لتأويل النتائج وتبرير التعثر. وعندما تغيب الأهداف الدقيقة، يصبح كل إنجاز صغير مادة للدعاية، وكل إخفاق كبير مناسبة للحديث عن صعوبة الظرفية وتعدد الإكراهات.

إن المغاربة لا يحتاجون إلى حكومة تُحسن تسويق نفسها بقدر ما يحتاجون إلى حكومة تُحسن تدبير شؤونهم. ولا يريدون أغلبية تتباهى بعدد مكوناتها، بل أغلبية تستطيع الإجابة عن أسئلة بسيطة ومباشرة: ماذا ستفعل للتشغيل؟ كيف ستحمي القدرة الشرائية؟ ما خطتها لإنقاذ المدرسة والمستشفى العموميين؟ وكيف ستربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير المال العام؟

هذه ليست أسئلة معارضة تبحث عن إحراج الحكومة، بل أسئلة مواطنين من حقهم معرفة ما إذا كانت التوافقات التي أُبرمت باسمهم تخدم مصالحهم أم تكتفي بتنظيم العلاقة بين الأحزاب.

لقد انتهى زمن مطالبة المواطنين بالثقة المجانية. فالشرعية السياسية لا تُصان بتكرار الشعارات، وإنما بالوفاء للالتزامات، والثقة لا تُفرض بالبلاغات، بل تُبنى بالنتائج. وكل حكومة تدخل مرحلة تدبير الشأن العام مطالبة بأن تقدم حساباً عن اختياراتها، لا أن تطلب من المجتمع تمديد مهلة الانتظار إلى أجل غير مسمى.

الحكومة الجديدة أمام امتحان لا يمكن تأجيله إلى نهاية الولاية: أن تثبت أن تشكيلها كان مدخلاً لإصلاح ملموس، لا مجرد تسوية بين حسابات حزبية. أما إذا كانت البداية هي توزيع الحقائب الفارغة ، والنهاية هي تبادل الأعذار، فإن الخاسر لن يكون حزباً بعينه، بل الثقة في السياسة نفسها.

فالمغاربة لا يسألون من أخذ الكرسي، بل ماذا سيفعل به. ولا تعنيهم خريطة المناصب بقدر ما تعنيهم خريطة الوعود التي ستتحول إلى واقع. أما الحكومة التي تعجز عن تقديم أجوبة واضحة، فلا ينقذها انسجام البلاغات، ولا تستر عجزها كثرة الشعارات الرنانة .

 

الاخبار العاجلة