أتاحت منصات التواصل الاجتماعي لمستخدميها مساحات شاسعة للتعبير الحر في شتى المجالات، حتى تحول رواد تلك المنصات إلى قوة افتراضية تؤثر في توجهات الرأي العام، غير أنها فتحت الباب أمام ظهور نوع جديد من العنف يعرف بالعنف الرقمي.
ومنحت مساحات التعبير الحر الافتراضية مشاركة أكثر للمواطن في القضايا العامة، غير أنها تركت المجال لظهور نوع جديد من العنف يعرف بالعنف الرقمي، حيث تحولت كثير من التدوينات والتعليقات إلى محاكمات افتراضية وامتلأت المنصات بعبارات التحريض فضلا عن خطابات الكراهية.
وأكد خبراء في الاتصال الرقمي أنه لم يعد من الممكن تجاهل العنف المسلط داخل الفضاء الإلكتروني بعد تفاقمه، خاصة وأنه يتسبب في الإساءة وانتهاك الخصوصية لفئات كثيرة ومنها النساء اللواتي يعتبرن الحلقة الأضعف في مواجهة العنف الإلكتروني..
وتعرف مصطلحات “التحرش الالكتروني” و”التنمر الرقمي”، وتدعى “cyberhrassment” في المملكة المتحدة”، و”cyberpesten” بألمانيا، و”cyberbullying” في البلدان الناطقة بالإنجليزية، تستعمل في بعض الأحيان كمرادفات، وبعض الأشخاص يستعملون مصطلح التنمر الالكتروني لوصف التحرش عبر الإنترنيت، وبين القاصرين وفي الوسط المدرسي، كل هذه المصطلحات تعني كل فعل عدواني يقوم به شخص واحد أو مجموعة من الأشخاص ، عبر شكل من أشكال التكنولوجيات الجديدة للإعلام والاتصال، بصفة متكررة ضد ضحية مفترض لا يستطيع بسهولة الدفاع عن نفسه.
وبالتالي، فالتحرش الإلكتروني هو نوع خاص من أنواع العنف الإلكتروني الأكثر خطورة، والذي يشكل تهديدا حقيقيا لأمن الضحية، ويمكن أن يؤدي به في بعض الحالات القصوى إلى الاكتئاب وحتى إلى الانتحار.
وتتعرض الفتيات والنساء في الفضاء الرقمي بحسب بعض الدراسة إلى التعليقات المهينة والمسيئة للمرأة وحتى الخادشة للحياء ،فضلا عن المضايقات الإلكترونية والتحرش والابتزاز الجنسي.
وبحسب مندوبية التخطيط فإنه مع هذا الانتشار للتكنولوجيات الحديثة للمعلومات والاتصالات وتوسع شبكات التواصل الاجتماعي، برز العنف الرقمي بجميع أشكاله. فمع معدل انتشار ناهز 14 في المئة، فإن قرابة 1,5 مليون امرأة هن ضحايا العنف الإلكتروني بواسطة الرسائل الإلكترونية، أو المكالمات الهاتفية، أو الرسائل النصية وغيرها..
و أضحت الشبكات الاجتماعية وسيلة للتواصل واسعة الانتشار، وخاصة بالنسبة للشباب. كيف يمكن حمايتهم من مخاطر وتهديدات العنف الالكتروني، ولاسيما في الوسط المدرسي؟.
وتمثل الشبكات الاجتماعية فضاء مفضلا للشباب للتعبير والتواصل مع بعضهم البعض، حيث يشعرون بالقدرة على المناقشة بكل حرية، وربط علاقات مع أقرانهم، لكن للأسف قد يصبح هذا الفضاء في بعض الأحيان ساحة لتصفية الحسابات أو الانتقام.
وبشكل عام، يمكن أن تتحول الخلافات بين الشباب في الوسط المدرسي إلى معركة على الشبكات الاجتماعية. كما يعتبر هذا الفضاء مجالا مفتوحا أمام الأشخاص الذين يشكلون خطرا، أي “مجرمي الأنترنيت”، من خلال “تقنيات الهندسة الاجتماعية” التي تتمثل في جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات حول الضحية المحتملة، وهي معلومات تكون منشورة على الشبكات الاجتماعية، مما يسهل مهمة هؤلاء.
وفي هذا الإطار، من المهم تذكير الشباب بالممارسات السليمة لاستخدام الإنترنيت والشبكات الاجتماعية. فإن أكثر من 50 بالمائة من الشباب المغربي لا يعرفون كيفية تعديل إعدادات الخصوصية في حساباتهم على الشبكات الاجتماعية، وهو ما يعرضهم لخطر قرصنة وسرقة البيانات.
ولمناهضة العنف الالكتروني في الوسط المدرسي يمكن المرور عبر مقاربة تربوية والتحسيس المستمر بقيم الاحترام والمسؤولية في العالم الرقمي.
يعاقب القانون المغربي مرتكبي العنف والتحرش الالكتروني، في الحالة التي تكون فيها الوقائع خطيرة أو تتجاوز المقاربة التربوية، فإن المسطرة القضائية المتبعة هي نفسها التي تكون في حالة تعريض شخص للعنف، وهنا يجب تقديم شكاية إلى مصالح الشرطة بالمدينة أو الدرك في المجال القروي، أو مباشرة إلى النيابة العامة. وتتوفر المصالح المختصة على وسائل تقنية حديثة للتصرف والتدخل من أجل حماية الضحية. ومع ذلك فإنه يجب أن لا ننسى خصوصية العنف الرقمي في ما يتعلق بالمحتوى، كالصور الفوتوغرافية أو الفيديو التي تكون موضوع العنف الالكتروني، إذ يجب إعطاء أهمية خاصة لهذا المحتوى من أجل تسجيل الإثبات الرقمي، إذا لزم الأمر، والتأكد من حذف هذا المحتوى على الشبكات الاجتماعية أو أي منصة رقمية أخرى، من أجل إيقاف معاناة الضحية.
وللإشارة تقدم منصة “فضاء مغرب الثقة السيبرانية” لمستخدمي الإنترنيت المغاربة خدمات استشارية تقنية من أجل حماية أنفسهم بشكل أفضل، وأيضا قانونية في حالة الحاجة إلى ذلك. كما يوفر الفضاء معلومات عن القوانين والمساطر الواجب اتباعها. والأهم، أنه من خلال شراكات موثوقة، بما فيها الشراكة مع “ميتا” (فيسبوك سابقا) ، يتلقى”فضاء مغرب الثقة السيبرانية”، تبليغات من أجل حذف محتويات العنف الالكتروني من منصات التواصل الاجتماعي.
فسواء تعلق الأمر بصور، أو مقاطع فيديو توثق لاعتداء جنسي على أطفال مغاربة، فإن منصة “فضاء مغرب الثقة السيبرانية”، يعتبر خط مساعدة دولي، من خلال الشراكة الموثوقة مع “مؤسسة مراقبة الإنترنت” (Internet Watch Fondation).
وتجدر الإشارة هنا أيضا إلى أن “فضاء مغرب الثقة السيبرانية” يشرف كذلك على بوابة ” WF-Maroc “، وهي البوابة الأولى في شمال إفريقيا والعالم العربي المتخصصة في إزالة هذا النوع من المحتوى ذي الطابع الجنسي.









