مستجدات

مشروع الحي الجامعي بتولال.. حلم طلاب مكناس الذي وُئد قبل أن يولد

طاقم ALLNEWS20 أكتوبر 2026
مشروع الحي الجامعي بتولال.. حلم طلاب مكناس الذي وُئد قبل أن يولد

مدينة إسمنتية.. ومشروع غارق في النسيان

هاشــم الخياطــي

بعد أكثر من عقدين على انطلاق المشروع، لا يزال الحي الجامعي بتولال بمدينة مكناس شاهداً على حلم طلابي مؤجل، ومرفق اجتماعي تعثر قبل أن يفتح أبوابه أمام آلاف الطلبة والطالبات. مشروع كان يُفترض أن يخفف أزمة السكن الجامعي ويضع حداً لمعاناة التنقل اليومي، لكنه تحول إلى بناية إسمنتية صامتة، تختزل قصة ورش طال انتظاره وغابت عنه الحلول.

في 26 فبراير 2006، شهدت منطقة تولال بمدينة مكناس تدشين مشروع حي جامعي جديد بالقرب من كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، بطاقة استيعابية مرتقبة تبلغ حوالي 3500 سرير، على أن يتم إنجازه في غضون ثلاث سنوات على أبعد تقدير. غير أن هذا الأجل انقضى، وتوالت السنوات، فيما ظل المشروع بعيداً عن أداء الوظيفة الاجتماعية التي أُحدث من أجلها.

وجاء المشروع في سياق أزمة اكتظاظ خانقة داخل الحي الجامعي بقرطبة، الذي تجاوزت طاقته الاستيعابية 2720 سريراً، ما اضطر المسؤولين إلى إحداث بنايات إضافية وملحقة حديثة بطاقة بلغت 480 سريراً. ورغم هذه التوسعات، استمرت معاناة الطلبة مع محدودية العرض السكني، لتتحول منشأة تولال إلى أمل معلّق كان من شأنه توفير آلاف أماكن الإيواء والتخفيف من الضغط المتزايد على الأحياء الجامعية بمكناس.

بدلاً من استقبال الطالبات والطلبة، انتهى المشروع إلى ما يشبه «مدينة إسمنتية مهجورة»، تتكون من بناية متعددة الطوابق ومرافق كان يفترض أن تجعلها فضاءً جامعياً متكاملاً. لكن الأشغال توقفت، والأبواب ظلت موصدة، فيما أصبح المكان، وفق إفادات متداولة، عرضة للإهمال ومخاوف مرتبطة بغياب الحراسة والاستغلال الفعلي.

وتطرح هذه الوضعية أسئلة ملحة حول مصير استثمار كان يفترض أن يخدم مرفقاً عمومياً ذا أولوية اجتماعية، وحول المسؤوليات التي أدت إلى تجميد المشروع كل هذه السنوات. فكيف يمكن تبرير استمرار بناية جامعية خارج الخدمة، في وقت تتزايد فيه حاجيات الطلبة إلى السكن، وتتصاعد فيه الدعوات إلى تحسين شروط التحصيل الجامعي وتكافؤ الفرص؟

ولا يتعلق الأمر بمجرد بناية لم تكتمل وظيفتها، بل بمعاناة يومية يعيشها طلبة كلية الحقوق بتولال، خصوصاً الطالبات القادمات من مناطق بعيدة، واللواتي يضطررن إلى التنقل بين الكلية والحي الجامعي بسيدي بوزكري، على مسافة تقارب ستة كيلومترات.

وتؤكد إحدى الطالبات أن هذا التنقل يطرح صعوبات حقيقية، في ظل محدودية وسائل النقل العمومي، خصوصاً خلال الفترات المسائية، وما يرافق ذلك من مخاوف أمنية واحتمال التأخر عن الحصص الدراسية. وهي معاناة كان من الممكن الحد منها لو دخل مشروع تولال حيز الخدمة في الموعد المحدد.

وبالنسبة إلى هؤلاء الطلبة، لا يمثل الحي الجامعي مجرد فضاء للنوم والإقامة، بل شرطاً أساسياً للاستقرار الدراسي وتخفيف الأعباء المالية والاجتماعية عن الأسر، خاصة تلك التي لا تسمح إمكاناتها بتوفير سكن خاص لأبنائها بالقرب من المؤسسات الجامعية.

وبخصوص أسباب تعثر المشروع، أفادت مصادر مطلعة بأنه أُنجز في إطار شراكة تعاقدية جمعت شركة ماليزية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، باعتبارها مالكة للعقارين الحبوسيين المخصصين للمشروع، بتمويل من البنك الإسلامي للتنمية.

غير أن الشركة المنفذة غادرت الورش منذ أكثر من عشر سنوات، بحسب المصادر ذاتها، بسبب صعوبات مالية وخسائر حالت دون استكمال الأشغال. ومنذ ذلك الحين، ظل المشروع عالقاً، من دون أن تظهر حلول نهائية تضمن إخراجه من حالة الجمود التي لازمته لسنوات طويلة.

وكان الملف قد وصل، في وقت سابق، إلى المؤسسة التشريعية، من خلال سؤال كتابي تقدمت به البرلمانية عبلة بوزكري، عن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب سابقا. في محاولة لتسليط الضوء على مصير هذا المشروع الذي كان يعول عليه في معالجة جزء من أزمة السكن الجامعي بمكناس.

وتضيف المصادر نفسها أن شركة مغربية عُرض عليها لاحقاً استكمال الأشغال، لكنها طالبت بمراجعة سعر المتر المربع، بالنظر إلى الطابع الاجتماعي للمبادرة. وهو ما يعكس، بحسب المعطيات المتاحة، تعقيدات مالية وتعاقدية لم تنته إلى حل يسمح بإعادة إطلاق المشروع واستكماله.

وبينما تستمر البناية في انتظار مصيرها، يواصل الطلبة انتظار حل ينهي سنوات التعثر، حتى بات أحدهم يختصر المشهد بسخرية قائلاً إن المطلوب هو «الإفراج عن المشروع ولو بكفالة».

وراء هذه العبارة الساخرة تختبئ مرارة جيل من الطلبة حُرموا من مرفق كان يفترض أن يكون جاهزاً منذ سنوات، فيما لا تزال أزمة الإيواء تفرض نفسها بقوة على الحياة الجامعية في مكناس. كما تعكس حجم الفجوة بين إعلان المشاريع الاجتماعية وتجسيدها على أرض الواقع، حين تتحول الآجال المعلنة إلى وعود مؤجلة من دون أفق واضح.

وأمام استمرار هذا الوضع، تتجه الأنظار إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، والقطاعات والمؤسسات المعنية، من أجل الكشف عن الوضعية القانونية والمالية للمشروع، وتحديد أسباب تعثره بدقة، والإعلان عن برنامج زمني واضح لاستكماله ووضعه رهن إشارة الطلبة.

فالمطلوب اليوم ليس مجرد إعادة الحديث عن مشروع قديم، ولا الاكتفاء بتبادل المسؤوليات بشأنه، بل اتخاذ قرارات عملية تنهي حالة الجمود، وتحمي ما أُنجز من مزيد من التدهور، وتعيد الاعتبار لحق الطلبة في ظروف ملائمة للتحصيل الجامعي.

إن مأساة الحي الجامعي بتولال لا تكمن فقط في بناية لم تفتح أبوابها، بل في سنوات من الانتظار ضاعت خلالها فرصة توفير آلاف الأسرة الجامعية. وبين إسمنت صامت وحاجيات طلابية متزايدة، يبقى السؤال معلقاً: من سيعيد الحياة إلى هذا المشروع، ويضع حداً لحلم جامعي وُئد قبل أن يرى النور؟

 

الاخبار العاجلة