تُعتبر الأضرحة والزوايا جزءاً أصيلاً من تاريخ المغرب الديني والاجتماعي، إذ لعبت أدواراً متعددة في تأطير المجتمع وتوجيه مساراته الفكرية والسياسية. ومكناس واحدة من الحواضر التي زخرت بهذه المعالم، حيث ارتبط تاريخها بانتشار عدد من الزوايا، من أبرزها ضريح الشيخ الكامل سيدي محمد بن عيسى، المعروف أيضاً بالهادي بن عيسى، مؤسس الطريقة العيساوية.
نشأة الضريح وتأسيسه
حسب مؤلف إتحاف أعلام الناس بجمال حاضرة مكناس للمرحوم عبد الرحمان بن زيدان، فإن الضريح بُني بأمر من السلطان سيدي محمد بن عبد الله بن المولى إسماعيل، خارج باب السيبة، أحد أبواب مكناس الإسماعيلية. ويرجح أن التشييد تم سنة 1190هـ، وقد استُعمل في بنائه أنقاض دار الخلافة الإسماعيلية. يضم الضريح قبة مزخرفة ومسجداً متصلاً به، إضافة إلى ساحة واسعة وأبواب تؤدي إلى أضرحة أخرى، أبرزها ضريح ابن الروائن.

نسب الشيخ الكامل وألقابه
وُلد الشيخ محمد بن عيسى سنة 872هـ (1467م) بمنطقة الساقية الحمراء، وتوفي سنة 1526م. ينحدر نسبه – وفق عدد من المؤرخين والوثائق المخطوطة – من السلالة النبوية الشريفة، ويعود أصله إلى قبيلة بني حسن، فرع أولاد فهد. وتؤكد ظهائر شريفة محفوظة لدى أحفاده، مثل ظهير السلطان سيدي محمد بن عبد الله، هذا النسب.
أما لقبه “الكامل” فله أكثر من رواية؛ أبرزها أن فقيهاً من علماء مكناس وقف على علمه فقال: “والله هذا شيخ كامل“. كما لُقب أيضاً بـ”الفحل” و”الكبريت الأحمر“.
تعليمه ومكانته العلمية
نشأ محمد بن عيسى في كنف والده وأخواله من بني مختار، وحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، قبل أن ينتقل إلى جامعة القرويين بفاس لطلب العلم. هناك درس على كبار العلماء، ثم عاد إلى مكناس حيث تصدر للتدريس بالمسجد الأعظم سنة 927هـ، وهو ما وثقته نقوش ما تزال قائمة إلى اليوم.

إشعاع تجاوز حدود المغرب
بداية دعوته الدينية جعلت زاويته بدرب الفتيان تضيق بروادها، فأسس زاويته الكبرى خارج باب السيبة، التي تحولت إلى مركز روحي وعلمي، ومقصداً للعلماء والمريدين من المغرب وخارجه. ورغم المضايقات السياسية، وُجهت طريقته بالقبول، وانتشر صيته إلى الجزائر وتونس وليبيا، بل وصل إلى مصر، أوروبا، باكستان وجزر المالديف. وتشير التقديرات إلى أن ليبيا وحدها تضم نحو 500 زاوية عيساوية.، بينما لا تخلو مدينة أو قرية تونسية من زاوية مرتبطة بهذه الطريقة.
أسس الطريقة العيساوية
تأثر الشيخ الكامل بالشيخ أحمد بن عمر الحارثي السفياني، أحد كبار تلامذة الشيخ محمد بن سليمان الجزولي. وقد عُرفت طريقته بتركيزها على الذكر، تلاوة القرآن، والمديح النبوي، مع توظيف آلات موسيقية صوفية كالدف، الطبيلة، والغيطة. وعنها قال:
“طريقتنا لا تدخل في قلب قاسي، ولا في جسم عاصٍ، ولا في عقل جاهل، ولا تدرك بالقياس، بل هي حكمة على السنة والنية، ومساقة على آثار الأنبياء والأولياء.”

البعد الروحي والاحتفالي
الطريقة العيساوية التي أسسها الشيخ الكامل، تمزج بين الذكر وتلاوة القرآن والإنشاد الصوفي، مع استعمال آلات موسيقية تقليدية كالدف والطبيلة والغيطة. وتتميز الحضرات العيساوية بمشهدية خاصة، حيث يمتزج النغم بالذكر والجذبة، في طقوس روحية تحولت بمرور الزمن إلى جزء من التراث المغربي الذي يستقطب الباحثين والزوار على حد سواء ، ويثير فضول المريدين من مختلف الطبقات.
إرث دائم وزيارات متجددة
إلى اليوم، يستقطب ضريح الشيخ الكامل بمكناس أعداداً غفيرة من الزوار، خصوصاً خلال ذكرى المولد النبوي الشريف، حيث يقدر عددهم بما لا يقل عن مليون مريد سنوياً، في استمرار لتأثير هذا الرجل الذي جمع بين العلم والتصوف، وأسّس طريقة ما تزال حاضرة بقوة في المغرب والعالم الإسلامي.










