مكناس تحتاج إلى مقترحات لا إلى مزيد من التجاذبات الفارغة
الخياطــي الهاشمــي
دورة 7 أكتوبر تعيد النقاش حول أدوار المعارضة داخل المجلس الجماعي.. فهل تكمن وظيفتها في مراقبة التدبير وتصحيح الاختلالات، أم في تحويل الاختلاف السياسي إلى مواجهة مفتوحة على حساب مصالح الساكنة؟
أعادت أشغال دورة 7 أكتوبر لجماعة مكناس النقاش حول المفهوم الحقيقي للمعارضة داخل المجالس المنتخبة، وحدود أدوارها في مراقبة التدبير المحلي، ومدى قدرتها على تحويل الاختلاف السياسي إلى قوة اقتراحية تساهم في معالجة الإشكالات التي تواجه المدينة، بدل الانزلاق إلى صراعات قد تطغى فيها الحسابات السياسية الضيقة على انتظارات المواطنين.
فالمعارضة، في جوهرها الديمقراطي، ليست مجرد موقف رافض لكل ما يصدر عن الأغلبية، ولا هي ممارسة تقوم على الاعتراض الدائم وإفشال المبادرات لمجرد أنها صادرة عن طرف سياسي آخر. إنها مؤسسة رقابية داخل المجلس، وفضاء لتقديم البدائل، وآلية لتصحيح الاختلالات، بما يضمن تحسين جودة القرارات والارتقاء بأداء الجماعة في خدمة الصالح العام.
لقد كرس القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات مجموعة من القواعد والآليات المنظمة لعمل المجالس الجماعية، بما يضمن التداول الديمقراطي وممارسة الاختصاصات في إطار القانون. ومن هذا المنطلق، فإن المعارضة ليست امتيازاً سياسياً منفصلاً عن المسؤولية، بل دور مؤسساتي يقتضي ممارسة الرقابة والتتبع، وتقديم المقترحات، والدفاع عن مصالح الساكنة بكل الوسائل القانونية المتاحة.
وفي مدينة بحجم مكناس، بما تواجهه من تحديات مرتبطة بالبنية التحتية، والنظافة، والتجهيزات الجماعية، والإنعاش الاقتصادي، وتحسين الخدمات الأساسية، تصبح الحاجة ملحة إلى معارضة تضع الملفات الحقيقية للمدينة في صدارة أولوياتها، وتقدم حلولاً عملية قابلة للتنفيذ، بدل الاكتفاء بتبادل الاتهامات أو تسجيل المواقف للاستهلاك السياسي.
فمن حق المعارضة أن تنتقد، ومن واجبها أن تراقب، ومن مسؤوليتها أن تكشف الاختلالات متى توفرت المعطيات والحجج. لكن النقد السياسي، حتى يكون ذا جدوى، ينبغي أن يقترن بالوقائع والبدائل، وأن يظل محكوماً باحترام المؤسسات والقانون، بعيداً عن تحويل الخلافات الشخصية إلى معارك تستنزف وقت المجلس وطاقته.
يرى متتبعون للشأن المحلي المكناسي أن بعض المواقف التي برزت خلال النقاشات الجماعية تطرح تساؤلات حول حدود الممارسة المعارضة، ومدى التمييز بين الرقابة المشروعة والتصعيد السياسي الذي لا يقدم بالضرورة حلولاً للمشكلات المطروحة.
فالمجلس الجماعي ليس ساحة لتصفية الحسابات، ولا منصة لتبادل الاتهامات الشخصية، وإنما مؤسسة منتخبة يفترض أن تكون قراراتها ونقاشاتها مرتبطة بمصالح المواطنين وانتظاراتهم. وعندما يتحول النقاش من مناقشة البرامج والميزانيات والمشاريع إلى سجال متواصل حول الأشخاص والنوايا، فإن الخاسر الأول هو العمل الجماعي، والمتضرر الأكبر هو المواطن الذي ينتظر نتائج ملموسة على أرض الواقع.
إن الاختلاف بين الأغلبية والمعارضة أمر طبيعي وصحي في كل تجربة ديمقراطية، بل قد يشكل عاملاً أساسياً لتجويد القرارات وكشف جوانب القصور فيها. غير أن هذا الاختلاف يفقد قيمته حين يصبح غاية في حد ذاته، أو حين يجري توظيفه في تعطيل المبادرات دون تقديم بدائل واضحة، أو في إثارة الجدل دون الإسهام في حل الملفات المطروحة.
ولا يعني ذلك أن الأغلبية معفاة من المساءلة، أو أن قراراتها ينبغي أن تمر دون نقاش. فالأغلبية مطالبة بدورها بتقديم الحصيلة، وتبرير اختياراتها، والانفتاح على المقترحات الجادة، واحترام حق المعارضة في المراقبة والمساءلة. فالتدبير الجيد لا يتحقق بإسكات الأصوات المخالفة، كما لا يتحقق بتحويل كل قرار إلى مواجهة سياسية مفتوحة.
ومن بين القضايا التي تثير الجدل في تدبير الشأن المحلي، إطلاق اتهامات تتعلق بشبهات تبديد المال العام أو وجود اختلالات في التسيير. وهي قضايا لا يجوز التعامل معها بمنطق التهويل أو التبرئة المسبقة، لأن المال العام ملك للمواطنين، وحمايته مسؤولية مشتركة تقع على عاتق جميع المنتخبين، أغلبية ومعارضة.
فإذا كانت لدى أي مستشار جماعي معطيات جدية بشأن اختلالات محتملة، فإن الطريق السليم يتمثل في تقديم الوثائق والقرائن المتاحة، وتفعيل آليات الرقابة والمساطر القانونية المختصة، عوض الاكتفاء بإطلاق اتهامات عامة لا تسندها أدلة معلنة.
وفي المقابل، فإن إثارة الشبهات لا ينبغي أن تكون سبباً لتكميم الأفواه أو التشكيك في كل انتقاد موجه إلى التدبير الجماعي. فالرقابة حق مشروع، والشفافية مطلب أساسي، والتحقيق في أي ادعاء جدي يظل من اختصاص الجهات المخولة قانوناً، مع احترام قرينة البراءة وعدم تقديم الاتهامات باعتبارها حقائق ثابتة قبل التحقق منها.
كما أن المسؤولية في تدبير الشأن المحلي تفرض على جميع المنتخبين، كل بحسب موقعه واختصاصاته، الحرص على المال العام، واحترام القوانين المنظمة للصفقات والنفقات والبرامج الجماعية، والتفاعل مع ملاحظات أجهزة الرقابة، بما يعزز الثقة في المؤسسات المنتخبة.
إن الرهان الحقيقي أمام مجلس جماعة مكناس لا يتعلق بمن يحقق نقطة سياسية على حساب خصمه، ولا بمن ينجح في إحراج الطرف الآخر خلال دورة جماعية، بل بمدى قدرة المؤسسة المنتخبة على تحويل صلاحياتها وإمكاناتها إلى مشاريع تستجيب لحاجيات السكان.
فالمدينة تحتاج إلى رؤية واضحة لتأهيل أحيائها، وتحسين تدبير النظافة، وصيانة الطرق والمرافق، وتطوير الإنارة العمومية، وتعزيز جاذبيتها الاقتصادية والسياحية، وخلق شروط أفضل للاستثمار وفرص الشغل. وهي ملفات لا يمكن معالجتها بالشعارات وحدها، وإنما تتطلب برامج محددة، وأولويات واضحة، وتقييماً مستمراً للنتائج، وتعاوناً بين مختلف المتدخلين.
ومن هنا، فإن المعارضة مطالبة بتقديم مقترحات عملية بشأن هذه الملفات، والمساهمة في اقتراح حلول للمعضلات المالية والتدبيرية، ومساءلة المسؤولين عن التأخر في إنجاز المشاريع أو ضعف جودة الخدمات، كلما استدعت المعطيات ذلك. كما أن الأغلبية مطالبة بالإنصات إلى المقترحات الجدية، وعدم التعامل مع كل انتقاد باعتباره استهدافاً سياسياً، لأن قوة المؤسسات تقاس بقدرتها على استيعاب الاختلاف وتحويله إلى قيمة مضافة.
إن التكامل بين الأغلبية والمعارضة لا يعني إلغاء التباين في المواقف أو التنازل عن الاختيارات السياسية، بل يعني الاتفاق على حد أدنى من المسؤولية تجاه المدينة، مع الاحتفاظ بحق الاختلاف والمساءلة. فالمواطن لا ينتخب ممثليه لكي يظلوا أسرى صراعاتهم، وإنما لكي يدافعوا عن مصالحه ويساهموا في تحسين ظروف عيشه.
إن الثقة التي يمنحها المواطنون للمنتخبين ليست تفويضاً مفتوحاً للصراع، وإنما تعاقد سياسي وأخلاقي يفرض العمل الجاد، والنزاهة، والالتزام بالقانون، والحرص على الموارد المتاحة للجماعة. كما أن محدودية الإمكانات المالية والبشرية، حين تكون قائمة، لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لتعطيل العمل، بل إلى حافز للبحث عن شراكات واتفاقيات تعاون مع المؤسسات المنتخبة والقطاعات الحكومية والفاعلين الاقتصاديين، في إطار الاختصاصات القانونية للجماعة.
وتظل التنمية المحلية مسؤولية مشتركة تتطلب تعبئة مختلف الطاقات، وتفعيل آليات الديمقراطية التشاركية، والاستماع إلى المجتمع المدني، وإشراك المواطنين في تحديد الأولويات وتقييم المشاريع. فكلما اتسعت دائرة المشاركة، تراجعت مساحة القرارات المعزولة، وأصبح النقاش العمومي أكثر ارتباطاً بالحاجيات الفعلية للساكنة.
وفي نهاية المطاف، فإن معيار نجاح المعارضة في مكناس لا ينبغي أن يكون حجم الضجيج الذي تحدثه داخل دورات المجلس، وإنما قيمة المقترحات التي تقدمها، وجودة الملفات التي تثيرها، وقدرتها على كشف الاختلالات بالحجة والوثيقة، والمساهمة في تصحيحها. وبالمثل، فإن نجاح الأغلبية لا يقاس بعدد القرارات التي تمررها، بل بمدى انعكاسها الإيجابي على حياة المواطنين.
مكناس اليوم في حاجة إلى معارضة قوية بمقترحاتها، لا بمجرد رفضها، وإلى أغلبية منفتحة على النقد، لا متوجسة منه. أما تحويل الاختلاف السياسي إلى تعطيل دائم، أو استبدال النقاش حول الحلول بسجالات شخصية، فلن يضيف شيئاً إلى المدينة، ولن يجيب عن أسئلة سكانها الذين ينتظرون تنمية ملموسة وخدمات في مستوى تطلعاتهم.
فالسياسة المحلية ليست معركة لتسجيل الأهداف في مرمى الخصوم، وإنما مسؤولية أمام المواطنين والتاريخ. ومن أراد أن يمارس المعارضة، فليجعل من الوثيقة والحجة والاقتراح أدواته الأساسية، ومن المصلحة العامة بوصلته الدائمة؛ لأن مكناس أكبر من الحسابات الضيقة، ومستقبلها يستحق من جميع منتخبيها عملاً مسؤولاً يتجاوز منطق «التعطيل والفرملة» إلى منطق البناء والإنجاز والمحاسبة الديمقراطية.









