أنوار لاركو
يستمر ملف غاز البوطان في تصدّر النقاش العمومي والبرلماني بالمغرب، باعتباره من أكثر المواد استنزافاً لموارد صندوق المقاصة، وذلك بعد كشف وزارة الاقتصاد والمالية أن كلفة دعم هذه المادة بلغت سنة 2023 حوالي 16.7 مليار درهم، بعدما لامست في 2022 مستوى قياسياً بلغ 21.8 مليار درهم.
وفي جوابها على سؤالين برلمانيين للنائب رشيد حموني حول وضعية المنافسة في سوق البوطان، أوضحت وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح، أن المغرب يعتمد بشكل شبه كلي على الاستيراد لتأمين حاجياته، ما يجعله رهيناً لتقلبات الأسعار العالمية المرتبطة بالنفط، موضحة أن عملية الاستيراد والتوزيع يشرف عليها ما مجموعه 30 شركة، 15 منها متخصصة في الاستيراد و15 أخرى في التوزيع، بعضها يعمل بشكل مندمج على طول السلسلة، ومن ناحية التخزين، فيتم عبر ست محطات كبرى موزعة على موانئ المملكة.
وحسب معطيات الوزارة، بلغ حجم الاستيراد سنة 2022 نحو 2.68 مليون طن، مقابل استهلاك مدعوم قدره 2.72 مليون طن. وفي 2023 ارتفع الاستيراد إلى 2.76 مليون طن، بينما وصل الدعم الموجّه للاستهلاك إلى حوالي 2.80 مليون طن. وتخضع عملية صرف الدعم لإجراءات دقيقة تقوم على مطابقة المعطيات بين مختلف حلقات التوزيع ومصالح الجمارك.

كما شددت الوزيرة على أن أسعار قنينات الغاز لم تعرف أي تغيير منذ سنة 1990، حيث يغطي صندوق المقاصة الفارق بين الكلفة الحقيقية وسعر البيع، وهو ما يجعل الدعم يتجاوز أحياناً 200% من السعر المطبق. وأوضحت أن الأسعار تبقى مقننة بقرار وزاري يحدد تركيبة الكلفة وهوامش أرباح الشركات، مع اعتماد آلية المقايسة الشهرية وفق تطورات الأسواق الدولية.
وفي قراءته لهذه المعطيات، أكد الخبير في الاقتصاد السياسي والاستثمار، الدكتور محسن الجعفري، أن صندوق المقاصة ما زال يشكل عبئاً ثقيلاً على المالية العمومية ويحد من قدرة الدولة على تحقيق التوازنات الاقتصادية. وأبرز أن الدعم الموجّه للغاز لا يصل إلى الأسر بالصيغة المباشرة المفترضة، بل تستفيد منه أساساً شركات محدودة تشتغل في سوق شبه أوليغوبولي.
وذهب الجعفري في تحليله إلى القول: “لو افترضنا أن الحكومة خصصت لكل أسرة مغربية قنينتين من الحجم الكبير مجاناً كل شهر، فإن الكلفة لن تتجاوز 11.5 مليار درهم، أي أقل بكثير من الاعتمادات المرصودة حالياً لصندوق المقاصة، وذلك بناءً على إحصاء عدد الأسر المغربية الذي بلغ 9.275.038 أسرة“.
ويرى الباحث أن توجيه الدعم مباشرة إلى الاستهلاك الأسري سيتيح للدولة هوامش مالية مهمة، مع تعزيز المراقبة ومنع استعمال الغاز المدعّم في الأنشطة الفلاحية أو الصناعية. كما دعا إلى تشجيع الاعتماد على الطاقات البديلة، مثل الألواح الشمسية، لتقليص الضغط على المقاصة.
وفي تحليله لتصريحات الوزيرة، اعتبر الجعفري أن النقاش الدائر قد يكون مؤشراً على استعداد حكومي لرفع الدعم تدريجياً أو تحرير القطاع، لكنه أشار إلى أن هذا التوجه “يصطدم باعتبارات اجتماعية وانتخابية حساسة، في ظرفية تتسم بارتفاع الأسعار والتضخم، إلى جانب التحديات المالية المرتبطة بمشروع الدولة الاجتماعية“.







