هاشــم الخياطــي
إلى حضرة الفساد الفاسد المفسد،
سلامٌ على من لو مسَّهُ الماء لفسد،
ولو مرّ على الماءِ لعَكَر،
ولو نزلَ في أرضٍ لأقفرَتْ،
ولو صافحَ حجرًا لتفتّت.
تحية فاسدة تليق بمقامك الرفيع في دنيا الأعطاب والانحرافات والتجاوزات والاختلالات.
أعلمُك مع كامل الانبطاح الأدبي أنه منذ أن أعلن السيد الوزير أن كل من يكتب عن الفساد الانتخابي دون “حجّة فاسدة” فمصيره السجن، قررتُ أن أغيّر استراتيجيتي: لا مواجهة بعد اليوم، بل مصالحة كاملة مع مقامك العالي.
فمنذ هذه اللحظة، أقدّم لك اعتذاري الرسمي عن كل كلمة كتبتُها ضدك وضد المفسدين من جنودك، وأطمئنك أنني سأحمي كل كتاباتي القديمة، خصوصًا تلك التي أصبحت فاسدة مثلك، وأكنس عنها كل آثار النزاهة التي كانت تزعجك.
سيدي الفساد المفسد الفاسد،
اعتبرني منذ اليوم صديقًا مطيعًا لا تعكّر صفو علاقتنا شبهة نزاهة أو نَفَس إصلاح. وكل فاسد مفسد من رفاقك سيكون بالنسبة لي أخًا عزيزًا نحبه حبًا خالصًا لفساده في الأرض والعِرض والمؤسسات.
لا تبخل علينا بزياراتك الفاسدة؛ فوالله سنستقبلها بقلوب مفتوحة، ولن نُفسد فسادك، بل سنرعاه ونُنمّيه ونفتح لك صدر منظومتنا كي تعيش في أحضاننا إن قبلت طبعًا، فنحن اليوم أصبحنا أنا وأنت شيئًا واحدًا: فسادًا متكاملاً لا ينفصم.
سيدي الفساد الفاسد المفسد،
إنني أجدني مضطرًا لا طائعًا لأن أخصّك برسالة أدبية تليق بمقامك السامي، مقامٍ ما اعتلاه أحدٌ قبلك إلا وذبل، ولا لامسه مصلحٌ إلا واندحر.
فأنت يا سيدي لست مجرّد ظاهرة؛ أنت مدرسة متكاملة، تخرّج الأجيال… وتُفسدها في البر والبحر.
ومن هذا المنبر ، أرفع إليك اعتذاري الرسمي عن كل كلمة أمسكتُ فيها بقلمٍ نظيف، وكل جملة حاولتُ بها أن أُطهر شيئًا مما دنسته يداك الكريمتان. اطمئن، فأنا منذ اليوم سأمسح كتاباتي بممحاة واسعة الصدر، وأتركها تتعفّن بكرامة حتى لا تؤذيك رائحتها النظيفة.
سيدي الفساد المفسد الفاسد،
أرجو أن تعتبرني من الآن واحدًا من مُريديك، فلا تسيء فهمي إن بالغتُ في الاحترام، فأنا أخشى أن يُحسب عليّ شيء من النزاهة. وكل فاسدٍ من رجالك سأستقبله كما يُستقبل الوفد المهيب: بانحناءة، وتنهيدة، وربما ابتسامة صفراء تدوم حتى تزول العدالة.
لا تحرمنا، ، من زياراتك المباركة، وإن كانت فاسدة حتى النخاع؛ فنحن قومٌ لا نفسد فسادك، بل نحتضنه كأنه أحد أبنائنا الضالين الذي عاد إلى حضن القبيلة.
أبارك لك بعدد الصفقات المشبوهة في السياسة والأخلاق التي فزت بها ظلما ، وعدد القوانين التي التففتَ حولها بخفة لصّ محترف..
ولهذا، أبعث إليك باعتذارٍ من مستوى رفيع، يناسب مكانتك الهابطة. فأنا أعتذر عن كل نصٍّ كتبتُه يومًا بريشة نظيفة، وعن كل كلمة حاولت أن أُزيح بها بعض ظلامك؛ فما كان لي أن أزعجك بأضواء غير مطلوبة.
وأطمئنك أنني سأدفن كتاباتي القديمة دفنًا يليق بأسرار تُؤذيك نزاهتها، وسأتركها تتفسّخ في هدوء حتى تلتحق بعائلتك العريقة من الملفات الفاسدة.
سيدي الفساد المفسد الفاسد،
اعتبرني من هذه الساعة تابعًا مطيعًا لخدمتك ، ولتعلم أنّ كل مفسد من حاشيتك سيجد في قلبي مقعدًا محشوًّا بالترحيب، وأنني سأستقبل خطواته الواثقة فوق رقاب البسطاء بتصفيقٍ راقٍ.
لا تتردد في زيارتنا بفسادك، فبيوتنا واسعة، وأبوابها مفتوحة ، وضمائرها قابلة للتفاوض.
أقبلْ علينا كيفما شئت، فاسدًا أو أكثر فسادًا؛ فنحن قومٌ لا نُصلح ما أفسدتَ، بل نحفظه لك كما هو… وفاءً لتاريخك الفاسد العطر.
سيدي الفساد الفاسد المفسد،
أرسلت إليك هذه الرسالة بعدما تعبتُ من مطاردتك في كل زاوية من هذا الوطن، فقررْتُ حفاظًا على صحتي النفسية أن ألتحق بك بدل أن أطاردك. فمن يطارد الهواء إلا غافل؟ ومن يقاومك إلا حالم؟
أدركتُ أنني كنتُ أرتكب حماقة كبرى: كنتُ أحاربك بالقلم ، بينما أنت تحكم العالم بالأفعال… والأموال… والاختفاء البارع للملفات لا أقول فاسدة .
لذلك، أتقدم إليك اليوم باعتذار شامل، يضم كل ما كتبته ضدك، وكل ما فكرتُ في كتابته، وحتى ما حلمتُ به ليلًا من إصلاحات طائشة. أعترف أنني كنتُ ساذجًا حين تخيلت أن النزاهة قد تزعجك. لم أعلم أن لديك حساسية مفرطة تجاه كل ما فيه رائحة نظافة.
سيدي الفساد المفسد الفاسد،
أعدك أن أصبح من اليوم صديقك الصدوق. سأحمي كتاباتي القديمة كما تُحمى الأدلة التي تختفي صدفة من الأرشيف الفاسد وسأتركها تفسد في الظلام، كي ترتاح أنت في النور… نور المصالح والامتيازات والصفقات .
أما رجالُك أولئك الذين يجرون وراء المناصب والثروات كما يجري الذباب وراء الضوء فسأستقبلهم بالورود، حتى لو كانت الورود مسروقة من حدائق عمومية. كل فاسدٍ عندك سنستقبله كما يُستقبل وليّ كريم، يكفي أنه يعرف الطريق المختصر إلى جيوب المواطنين الفقراء.
ولا تحرمنا من زياراتك المفخخة، نعرف أنها فاسدة ولكننا لن نفسدها، بل سنربّيها ونكبرها ونرعاها… لعلها تنجب لنا فضائح جديدة تزيّن أيامنا الفاسدة .
فإنّي أكتبُ إليك كتابًا هو أصدقُ من شهادةِ شهودك، وأوضحُ من سوابقكَ الميمونة، لأُبيّن لك أنّي قد علمتُ آنفًا ببيان الوزير، ذلك الذي حذّر فيه من ذكر الفساد إلا بحجّةٍ فاسدة، وكأنّك أنتَ يا سيدي بحاجةٍ إلى دليلٍ كي تُعرَف… ما عرفكَ الجاهلُ إلا وتيقّن، وما جهلكَ العاقلُ إلا وارتاب فيه نفسه.
ولقد كنتُ ممن تورّط سامحه الله في القولِ عنك، وفضحِ آثارك، وظنّ أن الشمسَ تُسترُ بغربال، وأن الدربَ يُخفى على السائرين. فتبًّا لما فعلتُ، وخزيًا لما كتبتُ، فقد أخطأتُ في حقّ مقامك العالي، مقامٍ إن وقفَ عليه الصدقُ انهار، وإن حاولت النزاهةُ الاقتراب منه طُردتْ خاسئةً مدحورة.
فها أنا يا مولاي أرفعُ الراية البيضاء، وأمدّ إليك لسان الاعتذار، وأعهد إليك أنّ ما بقي من كلامي سيكون على قدر مقامك: خاليًا من الطهر، منزوعًا من النقاء، خاضعًا لسلطانك الذي لا يعلوه سلطان.
وسأجعلُ كتاباتي القديمة في قبرٍ يليقُ بها، وأهيل عليها تراب النسيان حتى تتعفّن في هدوء، فلا تزعج سمعك بصرير الحقّ، ولا تُكدر صفوك برائحة الإصلاح.
أمّا أتباعك من الفاسدين أولئك الذين إذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا، وإذا مدّوا أيديهم اقترضوا مما ليس لهم فسأعتبرهم إخوتي في اللهث وراء المكاسب، وأقربائي في صلةِ المصالح، وأهلي في طاعة الهوى.
فلا تحرمنا من زياراتك وكلها زياراتٌ فاسدة فنحن قومٌ لا نُنكِرُ المعروف، والمعروف عندك نادر، ولكن إن حضَرَ أطرب الفاسدين غيرك .
يا سيدي،
لقد صرنا من باب الضرورة لا المحبة شريكين في دفتر الدهر:أنت تُفسِد…ونحن نصفِقُ كأننا لا نرى.
وختامًا، يا مولاي، لقد أصبحنا، أنا وأنت، توأمين…أنت تفسد البلاد والعباد ،وأنا مغلوبًا على أمري أصفّق لك من بعيد كي لا يُسمع صوتي.
هذه الرسالة من تحت الماء كتبها لك عبدٌ ضعيفٌ أمام سلطان فسادك،
راجٍ أن تُمهِل لا أن تعدِل.
وتفضل، يا سيدي، بقبول قُبلة احترامٍ على جبينك الفاسد… احترامٍ لا يعرف الخجل.
دام فسادك، ودام الصمت إلى الأبد ،
وتحية فساد إلى كل الفاسدين المفسدين في الأرض والسماء.








