الخياطــي هاشــم
في خضم الجدل الدائر حول نشأة الأنظمة الاجتماعية الحديثة، يذهب كثيرون إلى أن فكرة التقاعد ارتبطت ببدايات الدولة الحديثة في أوروبا، وتحديداً مع التجربة الألمانية في القرن التاسع عشر. غير أن صفحات التاريخ الإسلامي تحمل إشارات مبكرة إلى ممارسات ذات روح اجتماعية متقدمة، تجلت في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي جسّد بمواقفه معاني العدالة والرعاية الاجتماعية في أبهى صورها.
تُروى حادثة دالة في هذا السياق، حين مرّ عمر بن الخطاب في سوق المدينة المنورة، فاستوقفه مشهد شيخ طاعن في السن يتسول بين الناس. اقترب منه وسأله عن حاله، ليكتشف أنه رجل يهودي أثقلته الشيخوخة، ولم يعد قادراً على العمل، ومع ذلك يضطر إلى سؤال الناس ليسد حاجته ويؤدي ما فُرض عليه من جزية. كان الموقف صادماً لعمر، الذي رأى في ذلك خللاً أخلاقياً قبل أن يكون اجتماعياً.
بكلمات مؤثرة قال: “ما أنصفناك، أخذنا منك الجزية شاباً ثم ضيعناك شيخاً”، وهي عبارة تختزل رؤية عميقة لمفهوم العدالة، حيث لا يُترك الإنسان لمصيره بعد أن يضعف، بل تُصان كرامته ويُكفل عيشه. لم يقف عمر عند حدود التعاطف، بل بادر إلى الفعل، فأخذ الرجل إلى بيته، وأطعمه، ثم أصدر توجيهاته إلى بيت مال المسلمين بأن يُخصص له ولأمثاله عطاءٌ دائم يكفل لهم حياة كريمة، مع إسقاط الجزية عنه.
هذه الواقعة، وإن لم تكن “نظام تقاعد” بمفهومه المؤسسي الحديث، إلا أنها تعكس بوضوح مبدأ الرعاية الاجتماعية لكبار السن والعاجزين عن الكسب، بغض النظر عن ديانتهم أو انتمائهم. وهو ما يُظهر أن روح فكرة التقاعد – أي ضمان دخل لمن عجز عن العمل بعد سنوات من العطاء – كانت حاضرة في الفكر السياسي الإسلامي منذ قرون.
في المقابل، تُنسب أولى الأنظمة الحديثة للتقاعد إلى المستشار الألماني أوتو فون بسمارك في أواخر القرن التاسع عشر، حيث أُنشئ نظام تأمين اجتماعي يضمن معاشاً للعمال بعد بلوغ سن معينة. الفرق هنا ليس في الجوهر الأخلاقي، بل في شكل التنظيم والتقنين، إذ جاءت التجربة الأوروبية في إطار دولة مؤسسات حديثة، بينما ظهرت المبادرة العمرية في سياق دولة قائمة على القيم الدينية والإنسانية.
إن استحضار هذه النماذج من التاريخ الإسلامي لا ينبغي أن يكون بدافع المفاخرة أو نفي إسهامات الآخرين، بل لفهم أعمق لجذور العدالة الاجتماعية في حضارتنا، واستلهام تلك القيم في بناء أنظمة معاصرة أكثر إنصافاً. فالعبرة ليست بمن سبق زمنياً فحسب، بل بمن رسّخ مبدأ كرامة الإنسان في كل مراحل حياته.
حين يحضر العدل، يحضر معه الإنصاف، وتصبح الدولة مسؤولة عن حماية الضعفاء قبل الأقوياء. وهنا تتجلى عبقرية عمر بن الخطاب، الذي لم يكتف بإدارة شؤون الحكم، بل أسس لمنظور إنساني يضع الإنسان في قلب السياسات العامة، وهو ما يجعل تجربته جديرة بالتأمل في زمن تتجدد فيه الأسئلة حول العدالة الاجتماعية وحقوق الفئات الهشة.











