ذة.عبلة بوزكري
في السنوات الأخيرة، عاد النقاش حول موقع اللغة الإنجليزية في المغرب إلى الواجهة بقوة، مدفوعاً بتحولات عالمية متسارعة جعلت الإنجليزية لغة العلم والاقتصاد والتكنولوجيا والتواصل الدولي. وبينما حققت المملكة خطوات متقدمة في تعميمها تدريجياً داخل المنظومة التعليمية، يظل سؤال المستقبل مطروحاً: متى يمكن أن يصبح المغرب بلداً ناطقاً بالإنجليزية؟
لم يعد الإقبال على الإنجليزية خياراً ثقافياً أو أكاديمياً فحسب، بل أصبح ضرورة استراتيجية. فـ80% من المحتوى العلمي والرقمي العالمي يُنشر بهذه اللغة، كما أنها لغة الأعمال العابرة للحدود، والشركات متعددة الجنسيات، والتبادل الأكاديمي. وفي ظل سعي المغرب إلى تعزيز موقعه الاقتصادي وجذب الاستثمار الأجنبي، باتت الإنجليزية شرطاً من شروط الاندماج في الاقتصاد العالمي الجديد.
شهدت السنوات الأخيرة توجهات رسمية واضحة نحو تعزيز حضور الإنجليزية في المدرسة المغربية. فقد أعلنت وزارة التربية الوطنية عن خطة لرفع نسبة تدريس المواد العلمية باللغة الإنجليزية في الإعدادي والثانوي، على مراحل تمتد لعدة سنوات، مع الهدف النهائي المتمثل في جعلها لغة رئيسية للتدريس إلى جانب العربية والأمازيغية.
كما أطلقت جامعات عدة، خاصة في التخصصات العلمية والتقنية، برامج تعتمد الإنجليزية كلغة للتكوين، انسجاماً مع التوجه الدولي واحتياجات سوق العمل.
تنتشر الإنجليزية بسرعة بين الشباب المغربي، مدفوعة بعدة عوامل:
أولها الانفتاح على الإنترنت ومنصات التعلم الذاتي؛ثم توسع محتوى الترفيه والعلوم باللغة الإنجليزية؛ بالإضافة إلى رغبة الشباب في الاندماج في فرص العمل العالمية؛ وأيضا تراجع جاذبية الفرنسية باعتبارها لم تعد لغة العلم أو الاقتصاد الأول.
هذا الواقع يجعل التحول اللغوي شبيهاً بظاهرة اجتماعية متنامية قد تفوق في سرعتها الخطط التعليمية الرسمية.
رغم هذا الزخم، لا يزال الانتقال إلى بلد “ناطق بالإنجليزية” تحدياً مركباً. فمن جهة، يتطلب الأمر:
تكوين أعداد كبيرة من المدرسين القادرين على التدريس بالإنجليزية؛و تطوير مناهج دراسية ملائمة؛
و تحديث البرامج الجامعية؛ ثم توفير موارد تعليمية ورقمية بجودة عالية.
ومن جهة أخرى، يجب أن يتم الانتقال بسلاسة حتى لا يشعر المتعلمون بأنهم ينتقلون بين عوالم لغوية مختلفة دون تجانس أو رؤية واضحة.
ويرى لغويون أنه ليس هناك تاريخا محددا، لكن المعطيات الحالية تشير إلى أن المغرب يسير بخطى ثابتة نحو تموقع لغوي جديد. وإذا استمرت السياسات التعليمية على نفس الوتيرة، ومع الارتفاع المتواصل في عدد الشباب المتقنين للإنجليزية، يمكن القول إن المغرب سيكون خلال 15 إلى 20 سنة بلداً تتصدر فيه الإنجليزية لغة المعرفة والعمل والبحث العلمي، حتى لو لم تُعتمد رسمياً كلغة رسمية.
إنه تحول ثقافي وتعليمي واقتصادي عميق، لكنه يبدو اليوم أقرب من أي وقت مضى، مدفوعاً بإرادة شعبية قبل أن يكون مجرد قرار مؤسساتي.








