الخياطــي هاشــم
لم يعد الأول من مايو كما كان، ولا كما نُحب أن نتذكّره. لم يعد ذاك اليوم الذي كانت تتقد فيه الشوارع بالحماس، وتُكتب فيه الشعارات بصدقٍ يشبه وجع الناس. صار، ببساطة، طقساً يُعاد كل سنة دون روح، كأننا نؤدي واجباً أكثر مما نُحيي ذكرى.
في زمنٍ مضى، لم يكن الخروج في فاتح ماي نزهةً عابرة ولا استعراضاً شكلياً. كان موقفاً واضحاً، وانحيازاً صريحاً، وكانت الخطوط الفاصلة بين التوجهات السياسية تُرى بالعين المجردة. اليوم، ذابت تلك الفوارق حتى بات المشهد ضبابياً؛ الجميع يتحدث اللغة نفسها، والاختلاف لم يعد سوى تفصيل صغير في خطابٍ كبير متشابه.
النقابات التي كانت تُحرّك الشارع، فقدت كثيراً من زخمها. تحوّلت في نظر الكثيرين إلى هياكل تُدير توازنات أكثر مما تُدافع عن قضايا. القيادات استقرت في مواقعها، بينما تراجع صوت القاعدة، واختفى ذلك الرابط الحي بين من يُمثّلون ومن يُفترض أنهم يُمثَّلون.
أما السياسة، فقد دخلت مرحلة أخرى؛ لم يعد الفاعل الحزبي هو ذاك المناضل الذي يصعد من الميدان، بل صار المال والنفوذ يلعبان أدواراً حاسمة في رسم الخريطة. الكفاءة تُؤجَّل، والخطاب يُعاد تدويره، والنتيجة واحدة: فقدان الثقة.
وفي قلب هذا كله، يظهر جيل جديد، لا ينتظر الإذن ليفهم أو ليُعبّر. يعيش في عالم مفتوح، سريع، لا يعترف بالخطابات الثقيلة ولا بالصيغ القديمة. لكنه، في المقابل، يجد أمامه لغة سياسية متأخرة، لا تُخاطبه ولا تُشبهه.
هنا تكمن المفارقة: زمن تغيّر بالكامل، وأدوات لم تتغيّر. نفس الشعارات، نفس الوجوه، ونفس الأسئلة التي تُطرح دون أن تجد طريقها إلى أجوبة حقيقية.
فاتح ماي اليوم لا يختفي، لكنه يفقد معناه تدريجياً. يتحول إلى مناسبة تُذكّرنا أكثر بما لم يتحقق، بدل أن تحتفي بما تحقق. إلى يومٍ نُردّد فيه ما قيل سابقاً، دون أن نجرؤ على مساءلة السبب: لماذا لم يتغيّر شيء؟
ومع ذلك، لا يمكن الاكتفاء بالرثاء أو جلد الذاكرة. فاختزال فاتح ماي في مجرد لحظة نوستالجيا جماعية، هو في حد ذاته هروب من طرح السؤال الحقيقي: ماذا تبقّى من الفكرة؟ وماذا يمكن إنقاذه قبل أن يتحول كل شيء إلى ذكرى باهتة؟
المشكلة لم تكن يوماً في الشعار، بل في من يحمله. حين تفقد الفكرة حامليها الحقيقيين، تتحول إلى لافتة تُرفع بلا روح. وحين يغيب الفعل، يصبح الخطاب تعويضاً رخيصاً عن عجزٍ مزمن. لذلك لم يعد غريباً أن نرى مسيرات تُنظم، لكن دون أثر يُذكر بعدها، أو بيانات تُصدر، لكنها لا تُحرّك ساكناً.
الأخطر من ذلك، أن نوعاً من “التطبيع مع الرداءة” بدأ يتسلل إلى الوعي العام. لم يعد هناك استغراب من تكرار نفس الوجوه، ولا من إعادة إنتاج نفس الوعود. كأن الجميع اعتاد على هذا الجمود، حتى صار تغييره يبدو فكرة مستحيلة.
لكن الحقيقة أبسط من ذلك: لا شيء يتغير لأن لا أحد يغامر بالتغيير. لا داخل الأحزاب، ولا داخل النقابات، ولا حتى في طرق التفكير. الكل يشتكي، لكن القليل فقط مستعد لدفع كلفة الاختلاف.
وفي المقابل، هناك طاقة كامنة خارج هذه البُنى التقليدية. شباب يبتكر أشكالاً جديدة للتعبير، مبادرات صغيرة لكنها صادقة، ومحاولات فردية تبحث عن معنى خارج القوالب الجاهزة. هذه الدينامية، رغم تواضعها، تكشف أن المشكلة ليست في غياب الوعي، بل في غياب الجسور التي تربط هذا الوعي بالفعل المنظم.
فاتح ماي، في صيغته الحالية، لم يعد قادراً على احتضان هذا التحول. بقي حبيس قالب قديم، بينما الواقع تجاوز ذلك القالب بكثير. لذلك يبدو المشهد مفككاً: احتفال تقليدي في جهة، وحراك صامت أو رقمي في جهة أخرى، دون تلاقٍ بينهما.
السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس: كيف نُحيي فاتح ماي؟ بل: هل نملك الجرأة لإعادة تعريفه؟
هل يمكن أن يتحول من يومٍ للخطابة إلى لحظة للمساءلة؟
من استعراضٍ رمزي إلى محطة لتقييم ما تحقق وما فشل؟
ومن طقسٍ موسمي إلى فعلٍ مستمر؟
ربما لن يأتي الجواب من القيادات التي استقرّت طويلاً في أماكنها، بل من أولئك الذين لم يتورطوا بعد في لعبة التكرار. من جيلٍ لا يرى في التاريخ عبئاً، بل مادةً لإعادة البناء.
المشكلة ليست في اليوم نفسه، بل فينا نحن. في عجزنا عن تجديد الفكرة، وعن منح هذا التاريخ معنى جديداً يواكب تحولات الواقع. لأن الأيام لا تموت وحدها، نحن من نُفرغها من مضمونها، ثم نتساءل لماذا صارت بلا أثر.
وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى فاتح ماي معلقاً بين صورتين:
صورةٍ قديمة نحاول التمسك بها، وصورةٍ جديدة لم نمتلك بعد شجاعة رسمها.
وهكذا، يستمر الأول من مايو… حاضراً في التقويم، غائباً في الوجدان.









