مستجدات

مقتل لحبيب ولد محمد عبد العزيز يعمّق أزمة الخلافة داخل البوليساريو ويثير أسئلة محرجة حول صراعات النفوذ

[TOUTES LES ACTUALITÉS]10 يونيو 2026
مقتل لحبيب ولد محمد عبد العزيز يعمّق أزمة الخلافة داخل البوليساريو ويثير أسئلة محرجة حول صراعات النفوذ

الدكتور الجامعي أبو الشتاء

تشهد مخيمات تندوف منذ أشهر حالة متصاعدة من التوتر السياسي والاجتماعي، في ظل استمرار الأوضاع المعيشية الصعبة وتزايد الأصوات المطالبة بإحداث تغيير جذري داخل هياكل جبهة البوليساريو. ومع اتساع دائرة الانتقادات الموجهة للقيادة الحالية، تحولت مسألة الخلافة ومستقبل مرحلة ما بعد إبراهيم غالي إلى أحد أكثر الملفات حساسية داخل التنظيم، وسط تنافس غير معلن بين تيارات وشخصيات تسعى إلى فرض موقعها في معادلة القيادة المقبلة.

وتعكس النقاشات الدائرة داخل المخيمات حجم التحديات التي تواجه الجبهة، خاصة في ظل تراجع الزخم السياسي الذي كانت تراهن عليه خلال السنوات الماضية، وازدياد الحديث عن ضرورة تجديد النخب وإعادة النظر في الخيارات التي أوصلت المشروع الانفصالي إلى ما يصفه مراقبون بحالة من الجمود السياسي والعزلة الدبلوماسية.

وفي خضم هذه التطورات، يظل العامل الجزائري حاضرا بقوة في رسم ملامح المرحلة المقبلة، بالنظر إلى الدور المركزي الذي تضطلع به الجزائر باعتبارها الداعم السياسي والعسكري والمالي الرئيسي للجبهة. لذلك  فإن أي ترتيبات مرتبطة بمستقبل القيادة أو بخريطة التوازنات الداخلية لا يمكن قراءتها بمعزل عن الحسابات الاستراتيجية للجزائر ومصالحها المرتبطة بهذا الملف.

وفي وقت تتصاعد فيه التجاذبات داخل أروقة البوليساريو، جاء مقتل لحبيب ولد محمد عبد العزيز، نجل الزعيم السابق للجبهة محمد عبد العزيز، ليضيف مزيدا من الغموض والتوتر إلى المشهد الداخلي. فالرجل لم يكن مجرد مسؤول عسكري عادي، بل كان يشغل منصب قائد لواء الاحتياط العسكري وعضوا فيما يسمى بالأمانة الوطنية، كما كان يُنظر إليه باعتباره أحد الوجوه الصاعدة داخل التنظيم، والمرشح المحتمل للعب أدوار مؤثرة في مرحلة ما بعد القيادة الحالية.

وتزداد أهمية موقعه داخل الجبهة بالنظر إلى رمزيته العائلية والسياسية، باعتباره نجل الرئيس السابق للبوليساريو ونجل خديجة حمدي، الوزيرة السابقة للثقافة في الجبهة، فضلا عن تكوينه العسكري بالأكاديمية العسكرية الجزائرية بشرشال ، وما راج حول امتلاكه علاقات قوية مع دوائر نافذة داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية الجزائرية، وهو ما جعل اسمه يتردد باستمرار ضمن قائمة الشخصيات المرشحة لتولي مسؤوليات أكبر مستقبلا.

وأثار الحادث موجة واسعة من التساؤلات، خصوصا أنه وقع في ظرفية دقيقة تزامنت مع زيارة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى مخيمات تندوف. فبعيدا عن الروايات المتداولة، يطرح متابعون أسئلة جوهرية حول الجهة التي اتخذت قرار إرسال لحبيب إلى المنطقة العازلة، وحول طبيعة المهمة التي كان بصدد تنفيذها، ومدى احترام التقديرات الأمنية التي يفترض أن تحكم التحركات داخل منطقة تعرف بحساسيتها العسكرية وارتفاع مستوى المخاطر فيها.

وتكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المنطقة التي شهدت الحادث، والتي أصبحت خلال السنوات الأخيرة مجالا لتحركات عسكرية متبادلة ورقابة مستمرة، ما يجعل أي نشاط مسلح داخلها عرضة للمخاطر والاستهداف. وهو ما يدفع عددا من المراقبين إلى المطالبة بتوضيحات دقيقة حول الظروف التي أحاطت بالمهمة والجهات التي أشرفت على التخطيط لها.

في المقابل، يرى متابعون للشأن الصحراوي أن توقيت الحادث قد يفتح الباب أمام محاولات توظيفه سياسيا وإعلاميا، خاصة في ظل تزامنه مع حراك دبلوماسي أممي مرتبط بالنزاع. ويعتبر هؤلاء أن مثل هذه الأحداث غالبا ما تُستثمر لإبراز صورة التوتر داخل المنطقة والتأثير على مواقف الفاعلين الدوليين والزوار الأمميين.

غير أن هذا الجدل لا يحجب حقيقة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في انعكاسات غياب لحبيب ولد محمد عبد العزيز على التوازنات الداخلية للجبهة. فخروجه من المشهد في هذه المرحلة الحساسة قد يعيد خلط الأوراق بين الأجنحة المتنافسة، ويؤثر على حسابات الخلافة التي تشهد أصلا حالة من التجاذب والتنافس بين عدد من القيادات الطامحة إلى لعب أدوار أكبر خلال السنوات المقبلة.

ومهما تعددت القراءات والتفسيرات، فإن المؤكد أن مقتل شخصية بحجم لحبيب ولد محمد عبد العزيز لا يمكن فصله عن السياق السياسي العام الذي تعيشه البوليساريو، ولا عن الصراعات غير المعلنة المرتبطة بمستقبل القيادة وموازين النفوذ داخل التنظيم. لذلك، فإن الكشف عن حقيقة الظروف التي قادت إلى وجوده في منطقة عالية المخاطر يظل مطلبا أساسيا لفهم ملابسات الحادث بعيدا عن التأويلات والدعاية السياسية.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة داخل المخيمات وخارجها: من اتخذ قرار دفع لحبيب ولد محمد عبد العزيز نحو مهمة محفوفة بالمخاطر؟ ومن المستفيد من غيابه في هذه المرحلة الدقيقة؟ وهل يتعلق الأمر بخطأ في التقدير العسكري، أم أن وراء الحادث أبعادا سياسية أعمق ستكشفها التطورات المقبلة؟ أسئلة تبقى مفتوحة في انتظار معطيات أكثر وضوحا حول واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل البوليساريو خلال السنوات الأخيرة.

 

الاخبار العاجلة
error: تحذير: المحتوى محمي