كشفت مقاطع الفيديو الأخيرة التي نشرها التيكتوكر هشام جيراندو على صفحته المسماة “تحدي” عن حالة ارتباك واضحة في خطابه، بعد أن تهاوت الروايات التي كان يروجها بشأن أحداث داخل المغرب، واتضح ضعف المصادر التي كان يستند إليها في بناء ادعاءاته الكاذبة . ومع تراجع منسوب الثقة في محتواه، لم يجد التيكتوكر ما يواجه به الانتقادات سوى الانتقال إلى خطاب هجومي هش، استهدف فيه المغاربة بأوصاف مسيئة ونبرة حادة لا يعطيه أحد أي اهتمام .
وفي أحد المقاطع التي بثها من مقر إقامته بكندا، بدا جيراندو منفعلاً إلى حد بعيد، يتنقل بين سبّ المغاربة تارة، ودعوتهم تارة أخرى إلى “الثورة” و”العصيان المدني”. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوز ذلك إلى التحريض على التسلح والنزول إلى الشارع بهدف إسقاط النظام ، كما يزعم في خطاب تصعيدي خطير يعكس تحوّلًا لافتًا في نبرة التيكتوكر ومضامين رسائله التي لم يعد يسمعها ولا يهتم بها أحد .
هذا الانزلاق في الأسلوب يكشف، قبل كل شيء، أزمة مصداقية خانقة له . فبدل مراجعة النفس بعد انكشاف هشاشة المعطيات التي كان يقدمها، اختار صاحب الصفحة الهروب إلى الأمام عبر رفع سقف الاستفزاز والمزايدة اللفظية. وهو تكتيك بات مألوفًا لدى بعض صناع المحتوى الذين يراهنون على الإثارة والضجيج لتعويض غياب الحجة والدليل. غير أن المغاربة الأحرار اليوم، الأكثر وعيًا بآليات التضليل الرقمي، لم ينخدعوا بسهولة بمثل هذه الأساليب، بل يتعاملون معها غالبًا بنوع من الرفض أو السخرية واللامبالاة.
الأخطر في هذا المسار ” الجيراندي” ليس فقط مستوى الإساءة اللفظية، بل الدعوة الصريحة إلى الفوضى والعنف. فحرية التعبير، مهما اتسعت، لا يمكن أن تكون غطاءً للتحريض على التسلح أو تقويض المؤسسات خارج أي إطار قانوني. النقد السياسي يظل حقًا مشروعًا حين يستند إلى معطيات دقيقة ويحترم ثوابت المجتمع، أما الدعوة إلى الفوضى فهي منزلق لا يخدم إصلاحًا ولا يبني بديلًا.
المسؤولية هنا لا تقع على عاتق صانع المحتوى وحده، بل تمتد إلى بعض المتابعين أيضًا. فواجب التمييز بين النقد البناء والخطاب الشعبوي بات ضرورة ملحّة في زمن المنصات الرقمية. المجتمعات لا تُبنى بالصراخ ولا تُصلح بالتحريض، بل بالحوار الرصين والعمل المؤسساتي، وهو ما يغيب كليًا عن الخطابات ” الجيرندية “الأخيرة التي اختارت التصعيد بدل الإقناع، والضجيج بدل الحجة.
إذا كان ما صدر عن هشام جيراندو في مقاطعه الأخيرة يعكس توترًا واضحًا في نبرته الخافتة ، فإن الأخطر هو تحوّل خطابه من ادعاء “كشف الحقائق” إلى تبني أسلوب التحريض التافه . فعندما يفقد صانع المحتوى ثقة جزء واسع من متابعيه، يكون أمامه خياران: إما مراجعة أدواته وتصحيح مساره، أو الانزلاق نحو مزيد من التصعيد لمحاولة لشدّ الانتباه لمجموعة تسمع لهرطقاته وهي جد قليلة . وجيراندو، في الظاهر، اختار الطريق الثاني المعوج.
هذا الأسلوب القائم على شيطنة المختلفين معه واتهامهم بالجهل أو الخيانة، لا يعكس قوة موقف بقدر ما يكشف عن عزلة متزايدة. فكلما ضاقت دائرة الإقناع، اتسعت دائرة الاتهام. وهي معادلة معروفة في عالم الخطاب الشعبوي، حيث يُستبدل النقاش العقلاني بلغة التخوين والتعميم، ويُستثمر الغضب كوقود لتعويض غياب البدائل الواقعية.
المفارقة في خطاب جيراندو أنه يقدم نفسه في صورة “المنقذ” أو “الصوت الوحيد الشجاع”، بينما يقوم في الواقع على ثنائية مبسطة: هو في جهة، وبقية المجتمع في الجهة الأخرى. هذا التصوير الدرامي قد يجلب تعاطفًا لحظيًا من فئة تشبهه، لكنه على المدى البعيد يضع صاحبه في موقع الخصومة مع الجميع، بدل أن يكون جزءًا من نقاش وطني واسع ومتعدد الآراء.
كما أن المبالغة في تضخيم الذات، والادعاء بامتلاك “الحقيقة المطلقة”، يعكسان نزعة فردانية لا تنسجم مع طبيعة العمل العام، الذي يفترض التواضع أمام تعقيدات الواقع. فالقضايا السياسية والاجتماعية لا تختزل في فيديوهات منفعلة أو شعارات حماسية، بل تحتاج إلى معرفة دقيقة بالسياقات، وإلمام بالقوانين، واستعداد لتحمل تبعات المواقف.
ثم إن مخاطبة الناس بلغة التحقير أو الاستفزاز لا تصنع قاعدة شعبية، بل تخلق رد فعل معاكسًا. وهو ما وقع بالفعل ،فالمغاربة الأوفياء لوطنهم ، قد يختلفون في تقييم السياسات أو تدبير الشأن العام، لكنهم لا يقبلون أن يُعاملوا ككتلة جاهلة أو فاقدة للإرادة. ولا ينساقون وراءكلام الحتالات الفارين من بلدهم، ومن يراهن على كسب التأييد عبر إهانة الجمهور، إنما يسرّع وتيرة فقدانه لما تبقى من رصيد رمزي إن وجد لذى التيكتوكر .
ويظل الفرق واضحًا بين من يمارس النقد كحق ومسؤولية، وبين من يحوله إلى منصة للغضب والتجييش غير المجدي . الأول يسعى إلى الإقناع وبناء البدائل، والثاني يكتفي بمحاولة إشعال العواطف وهذا لا يجده عند المغاربة الأفذاذ. والتاريخ القريب يثبت أن الضجيج الرقمي، مهما ارتفع، يظل عابرًا إذا لم يسنده فكر رصين وخطاب يحترم عقول الناس.
ما يفاقم وضع جيراندو اليوم هو أنه اختار تحويل مساره إلى معركة وجودية حسب زعمه ، بدل التعامل معه كنقاش طبيعي في فضاء عام مفتوح. فصناعة المحتوى تقوم أساسًا على الثقة، وعندما تتآكل هذه الثقة، لا يمكن تعويضها بالصراخ والعويل أو برفع منسوب التحدي إن وجد ، لأن الجمهور في النهاية يبحث عمن يضيف إلى وعيه، لا عمن يستهلك مشاعره بأقوال فارغة المبنى والمعنى .
إن الاستمرار في خطاب يقوم على نظرية المؤامرة وكيل الاتهامات لرجال شرفاء يخلق دائرة مغلقة من المتابعين التافهين الذين ينجذبون إلى الخطاب الفضفاض، لكنه في المقابل يعزل صاحبه عن النقاش العمومي الواسع. ومع الوقت، يتحول المحتوى من مساحة تأثير ضيقة ومحدودة إلى مجرد منصة لتكرار نفس الشعارات التي لاتمة للمصداقية بأية صلة ، دون قدرة حقيقية على إحداث أثر إيجابي أو تغيير ملموس ما يفقد جيراندو مصداقيته كليا ،طبعا إن كانت له مصداقية أصلا .
ثم إن الرهان على الإثارة الفجة تحمل في طياتها المهلهلة مخاطرة كبيرة؛ وهكذا يجد صانع المحتوى نفسه أسيرًا لمنطق “التصعيد الفارغ من كل مصداقية ”، إلى أن يصل إلى الوقوع في المحظور القانوني أو الأخلاقي. وعند تلك النقطة، لا يعود الحديث عن حرية تعبير، بل عن مسؤولية أمام المجتمع والقانون.
إن ما يحتاجه أي فاعل رقمي يسعى إلى التأثير الحقيقي ليس رفع الصوت، وصناعة أخبار كاذبة بل رفع مستوى الحجة. فالنقد الصادق لا يخشى التدقيق، ولا يتهرب من الأسئلة، ولا يخاصم جمهوره. أما الخطاب الذي يتغذى على الغضب وتلفيق التهم دون حجة دامغة ، فسرعان ما يخبو بانطفاء موجته، ويترك وراءه فراغًا أكبر من ذلك الذي ادعى أنه جاء لملئه.









