ليست كل الدبلوماسية اتفاقيات توقعها الحكومات، ولا كل العلاقات الدولية تبنى داخل قاعات المؤتمرات. فهناك دبلوماسية أكثر هدوء، لكنها أبعد أثراً، تبدأ من الطفل، وتستثمر في الذاكرة، وتصنع الانتماء قبل أن تصنع المواقف. إنها الدبلوماسية الثقافية، التي أصبحت اليوم إحدى أهم أدوات الدول في ترسيخ حضورها وتعزيز روابطها مع مواطنيها أينما كانوا.
في هذا السياق تواصل مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج ترسيخ جسور التواصل بين أبناء الجالية المغربية ووطنهم الأم، من خلال تنظيم الدورة السابعة والعشرين للإقامة الثقافية، التي يحتضنها المركز السوسيو-ثقافي بمدينة القنيطرة خلال الفترة الممتدة من 4 يوليوز إلى 18 غشت 2026، بمشاركة 960 طفلاً مغربياً ينتمون إلى مختلف بلدان المهجر.، قدموا من ثماني عشرة دولة، إلى جانب أطفال فلسطينيين، ليس مجرد نشاط صيفي متكرر، بل هو استثمار طويل الأمد في بناء علاقة متينة بين الأجيال الجديدة ووطنها الأصلي.
لقد تغيرت طبيعة الهجرة المغربية، ولم يعد الحديث يقتصر على الجيل الأول الذي غادر الوطن حاملاً ذاكرته ولغته وعاداته، بل أصبح الأمر يتعلق بأجيال وُلدت في الخارج، وتلقت تعليمها في مدارس أجنبية، وتشكل وعيها داخل مجتمعات متعددة الثقافات. وهذه الحقيقة تفرض مقاربة جديدة، لا تقوم على مخاطبة الماضي، وإنما على صناعة مستقبل يكون فيه الانتماء للمغرب خياراً واعياً، لا مجرد إرث عائلي.
ولهذا، فإن البرامج الثقافية الموجهة لأبناء الجالية لم تعد ترفاً مؤسساتياً، بل أصبحت جزءاً من الأمن الثقافي للمغرب. فالدول التي تنجح في الحفاظ على ارتباط أجيالها بالخارج بهويتها ولغتها وتاريخها، تكسب في الوقت نفسه شبكة واسعة من الكفاءات والسفراء الطبيعيين القادرين على الدفاع عن صورتها، وبناء جسور التعاون معها في مختلف المجالات.
ولا تتحقق هذه الغاية بالخطب والشعارات، بل بالتجربة المباشرة. فعندما يزور الطفل المدن التاريخية، ويتعرف إلى تراث بلاده، ويشارك في ورشات المسرح والفنون والطبخ والموسيقى، ويمارس الرياضة مع أطفال قدموا من قارات مختلفة، فإنه لا يكتسب معلومات عن المغرب فحسب، بل يعيش تجربة وجدانية تترسخ في ذاكرته، وترافقه كلما تقدم به العمر.
وهنا تكمن قوة هذه المبادرة؛ فهي لا تكتفي بتعريف أبناء الجالية ببلدهم، بل تمنحهم فرصة لتكوين صداقات عابرة للحدود بين مغاربة العالم، بما يعزز شعورهم بالانتماء إلى مجتمع واحد، مهما اختلفت لغات الإقامة أو جنسيات الميلاد. إنها عملية بناء لهوية مغربية منفتحة، قادرة على التفاعل مع العالم دون أن تفقد جذورها.
كما أن مشاركة أطفال فلسطينيين في هذه الدورة تمنح المبادرة بعداً إنسانياً يتجاوز الإطار الوطني، ويعكس اختيار المغرب توظيف الثقافة والتربية فضاءً للحوار والتضامن، في وقت تتزايد فيه الانقسامات والصراعات. فالتعايش لا يُفرض بالقوانين وحدها، بل يُبنى منذ الطفولة، عبر اللقاء والتعارف وتقاسم التجارب.
غير أن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يتوقف عند تنظيم إقامة صيفية ناجحة، مهما بلغت جودة برامجها. فالعالم الرقمي، وتسارع التحولات الاجتماعية، وتعدد المؤثرات الثقافية، كلها عوامل تجعل من الضروري تطوير رؤية متكاملة ترافق أبناء الجالية طوال السنة، عبر مبادرات تعليمية وثقافية ورقمية مستدامة، تُبقي خيط التواصل مع الوطن حياً ومتجدداً، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف المغرب باستمرار، لا في موسم العطلة فقط.
إن الدول التي تفكر في المستقبل لا تنتظر أن يبلغ أطفالها سن المسؤولية لتكسب ولاءهم، بل تبني هذا الولاء منذ السنوات الأولى، من خلال المعرفة والثقافة واللغة والذاكرة المشتركة. ومن هذه الزاوية، تبدو الإقامة الثقافية أكثر من برنامج سنوي؛ إنها استثمار في الرأسمال البشري للمغرب، وفي قوة ناعمة تتنامى بصمت، لكنها قادرة على تحقيق ما قد تعجز عنه أدوات السياسة التقليدية.
فحين ينجح المغرب في أن يجعل أبناءه، أينما وُلدوا وكبروا، يحملون وطنهم في وجدانهم كما يحملونه في وثائقهم، فإنه لا يحافظ فقط على صلة الجالية بجذورها، بل يؤسس لمستقبل تكون فيه الهوية المغربية جسراً للتواصل مع العالم، ومصدراً للقوة والإشعاع، لا مجرد ذكرى تستحضر في مواسم العطل.









