يومٌ أشعل غضب المغاربة في وجه الاستعمار الفرنسي
هاشــم الخياطــي
من معركة الماء إلى معركة التحرر.. انتفاضة فاتح وثاني شتنبر 1937 كشفت الوجه القمعي للحماية وأصبحت محطة مفصلية في تصاعد المقاومة الوطنية
تحل يومي فاتح وثاني شتنبر الذكرى الـ90 لانتفاضة ماء وادي بوفكران بمدينة مكناس، إحدى أبرز المحطات التي طبعت تاريخ المقاومة الوطنية المغربية ضد الاستعمار الفرنسي، بعدما تحولت قضية الماء إلى شرارة أشعلت غضب سكان العاصمة الإسماعيلية، وأطلقت مواجهة مفتوحة مع سلطات الحماية وسياساتها القائمة على التمييز والاستغلال والقمع.
وتُعرف هذه الأحداث تاريخيا بـ”معركة ماء بوفكران” أو “نهر فلفل”، فيما ظلت راسخة في الذاكرة الشعبية المكناسية تحت تسمية “كيرة الماء الحلو”. وقد شهدت ساحة الهديم يومي فاتح وثاني شتنبر 1937 مواجهات دامية بين السكان والقوات الفرنسية، في سياق اجتماعي واقتصادي اتسم بالجفاف والفقر وندرة الموارد المائية، مقابل استفادة المعمرين من الأراضي والمياه.

وتعود جذور الأزمة إلى قرار سلطات الحماية الفرنسية الصادر في 12 فبراير 1937، والذي ترتب عنه تحويل جزء مهم من مياه وادي بوفكران لفائدة ضيعات المعمرين، ضمن ترتيبات لتوزيع مياه المنطقة، وهو ما اعتبره سكان مكناس قرارا مجحفا، خصوصا في ظل الظروف القاسية التي كانت تعيشها المدينة ونواحيها.
ولم يتعامل المكناسيون مع القرار باعتباره مجرد خلاف حول مورد مائي، بل رأوا فيه وجها آخر من أوجه سياسة الاستغلال الاستعماري، خصوصا بعدما فشلت الاتصالات والاحتجاجات التي قادها ممثلو السكان في الوصول إلى حل ينصف المدينة وساكنتها.
وفي فاتح شتنبر 1937، خرج سكان مكناس في مظاهرة سلمية احتجاجا على إبعاد ممثلي المدينة عن المشاركة في أشغال اللجنة المكلفة بتوزيع مياه بوفكران لفائدة المعمرين. وكان ذلك اليوم إيذانا بانفجار غضب شعبي سرعان ما تحول، في اليوم الموالي، إلى مواجهة دامية.

وفي صباح الثاني من شتنبر، تفجرت الاحتجاجات مجددا بعدما أصدرت السلطات أحكاما بالسجن في حق عدد من الوطنيين المتزعمين للتحركات الاحتجاجية. ومع تصاعد التوتر، توجهت لجنة إلى مقر الباشا أحمد السعدي للاستفسار عن أسباب اعتقال الوطنيين، في الوقت الذي احتشدت فيه جماهير غفيرة بساحة الهديم.
وسرعان ما خرج الوضع عن السيطرة، بعدما تدخلت القوات الاستعمارية لقمع المحتجين، واستعملت الرصاص الحي، لتندلع مواجهات خلفت قتلى وجرحى وفتحت الباب أمام حملة واسعة من الاعتقالات والمحاكمات.
وتشير الروايات التاريخية إلى اعتقال نحو 83 شخصا، صدرت في حقهم أحكام قاسية ونهائية بمقتضى القوانين الاستعمارية، في مشهد عكس حجم القمع الذي لجأت إليه سلطات الحماية لإخماد الانتفاضة وإرهاب السكان.
لكن الرصاص والاعتقالات لم ينجحا في إسكات صدى بوفكران.
فقد تحولت مأساة مكناس إلى قضية وطنية، وسارعت الحركة الوطنية بمختلف مناطق المغرب إلى إعلان تضامنها مع سكان المدينة والتنديد بالقمع الاستعماري. وكان من بين أبرز الأصوات التي أدانت ما جرى الزعيم علال الفاسي، ومحمد بن الحسن الوزاني، ومحمد اليزيدي، إلى جانب عدد من رموز الحركة الوطنية، الذين طالبوا بكشف حقيقة ما وقع وفتح تحقيق في ظروف إطلاق النار على المواطنين.

ولم تتوقف تداعيات الانتفاضة عند حدود مكناس، بل امتدت أصداؤها إلى مختلف أنحاء البلاد، بعدما أدركت الحركة الوطنية أن مواجهة الاستعمار لم تعد ممكنة فقط عبر المطالب والإصلاحات، وإنما أصبحت تقتضي بناء فعل وطني أكثر تنظيما وصلابة.
كما لعبت الصحافة الوطنية آنذاك دورا بارزا في نقل تفاصيل الأحداث والدفاع عن مطالب السكان، رغم الرقابة والمصادرة والتضييق الذي مارسته سلطات الحماية على الصحف والمقالات التي تناولت الانتفاضة.
وتناولت صحف وطنية صادرة من فاس وسلا والرباط وتطوان أحداث مكناس، ونشرت المقالات والعرائض التي أدانت القمع وطالبت بالحرية والكرامة والسيادة الوطنية. ومن بين العناوين التي عكست المزاج الوطني المتصاعد آنذاك: “مطالبنا ومطالبهم”، و”نريد سياسة حرية ورقي لا سياسة إدماج وحكم مباشر”، و”لسنا بمهجّيين ولكننا طلاب حق وحماة شعب”، و”بئس أمة قوامها العسف والاستغلال”، و”من فاجعة إلى فاجعة”، و”الحق فوق القوة“.
وفي المقابل، حاولت الصحافة الموالية للاستعمار تقديم رواية مغايرة للأحداث، وهو ما دفع الجرائد الوطنية إلى الرد عليها وفضح ما اعتبرته محاولات لتزييف الوقائع، قبل أن تتدخل السلطات الاستعمارية بمزيد من المصادرات والرقابة والاعتقالات.

وهكذا، لم تعد قضية ماء بوفكران مجرد نزاع حول توزيع مورد مائي، بل أصبحت رمزا لمواجهة أوسع بين سكان مغاربة يدافعون عن حقهم في الماء والأرض والكرامة، وسلطة استعمارية سعت إلى فرض واقع يخدم مصالح المعمرين.
لقد كشفت انتفاضة بوفكران بوضوح أن سياسة الحماية لم تكن قادرة على إخضاع المجتمع المغربي بشكل كامل، وأن الغضب الشعبي كان يتراكم تحت سطح الحياة اليومية، منتظرا اللحظة التي يتحول فيها الظلم الاجتماعي والاقتصادي إلى فعل مقاوم.
ومن هذه الزاوية، تكتسي الذكرى الـ90 أهمية خاصة بالنسبة للأجيال الجديدة، ليس باعتبارها مجرد محطة في كتاب التاريخ، وإنما باعتبارها مناسبة لاستحضار تضحيات رجال ونساء واجهوا الاستعمار في ظروف بالغة القسوة، ودفع بعضهم ثمنا باهظا من أجل الدفاع عن كرامة مدينتهم وبلدهم.
ويبقى الثاني من شتنبر 1937 واحدا من الأيام الدامية التي تستحق أن تستعيد مكانتها في الذاكرة الجماعية، خصوصا داخل مدارس ومعاهد مكناس ونواحيها، حتى تتعرف الأجيال الصاعدة على تاريخ مدينتها وعلى المسار الذي قطعته الحركة الوطنية المغربية من الاحتجاج والمطالبة بالإنصاف إلى المقاومة والتحرر.
فانتفاضة ماء بوفكران لم تكن مجرد “معركة ماء”، بل كانت لحظة انكشاف كبيرة لواقع الاستعمار، ومحطة ساهمت في تصعيد الوعي الوطني وإذكاء روح المقاومة، وصولا إلى مرحلة النضال من أجل الاستقلال، التي انتهت بجلاء الاستعمار الفرنسي عن المغرب سنة 1956.
وبعد تسعة عقود، تظل ساحة الهديم شاهدة في الذاكرة المكناسية على يوم واجه فيه المغاربة الرصاص بالاحتجاج، والقمع بالإصرار، والاستغلال برفض الخضوع؛ لتبقى بوفكران واحدة من الصفحات التي اختلط فيها الماء بالدم، وتحولت فيها قضية محلية إلى شرارة وطنية في طريق التحرر.










