في خطوة قانونية وُصفت بغير المسبوقة، فتح المشرع المغربي الباب أمام اعتماد الصلح حتى بعد صدور الأحكام النهائية، في تعديل جديد لقانون المسطرة الجنائية يعكس تحولًا عميقًا في مقاربة العدالة الجنائية من منطق الزجر الصرف إلى أفق المصالحة وإعادة الإدماج.
ويمنح هذا التعديل المدانين بعقوبات سالبة للحرية إمكانية التقدم بطلب الصلح والسعي إلى الحصول على تنازل من الأطراف المشتكية أو المتضررة، وهو ما قد يترتب عنه وقف تنفيذ العقوبة أو الإفراج الفوري عن المحكوم عليهم، حتى بعد استنفاد جميع مراحل الطعن القضائي.
وبحسب الصياغة الجديدة للقانون، أصبح بإمكان المدان تقديم ملتمس لإيقاف تنفيذ العقوبة السالبة للحرية إلى المحكمة التي أصدرت الحكم النهائي، رغم حيازته لقوة الشيء المقضي به.
وأكد بعض رجال القانون ، أن هذا المستجد يندرج في إطار تشجيع المحكوم عليهم على اتخاذ مبادرات إيجابية نحو الصلح، بما يعكس توجّهًا تشريعيًا يقوم على قيم التسامح والمصالحة وإعادة الإدماج الاجتماعي.
ولا يقتصر هذا التغيير على مرحلة البحث أو المتابعة، بل يشمل مختلف مراحل المسطرة القضائية، بما فيها ما بعد صدور الأحكام النهائية. كما يطبق على جميع الجنح المنصوص عليها في المادة 41.1 من قانون المسطرة الجنائية، ما يوسع دائرة التقاضي التصالحي ويمنح الأفراد هامشًا أكبر لتسوية النزاعات خارج منطق العقاب الصارم.
ورأوا هؤلاء القانونيين ، أن المشرع المغربي نجح من خلال هذا التعديل في تحقيق توازن دقيق بين حماية حقوق الضحايا وضمان جبر الضرر من جهة، ومنح فرصة ثانية للمدانين من جهة أخرى، سواء عبر الإفراج عنهم أو تخفيف العقوبات في حال نجاح الصلح. كما يعكس هذا التوجه رغبة واضحة في التخفيف من الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية، واعتماد مقاربة إنسانية ومرنة في التعامل مع القضايا الجنحية.
ويؤشر هذا التعديل، في مجمله، على مرحلة جديدة في السياسة الجنائية الوطنية، قوامها تعزيز العدالة التصالحية وترسيخ ثقافة الحلول البديلة، بما يخدم مصلحة الفرد والمجتمع على حد سواء.











