هل تدخل البوليساريو أخطر مراحلها داخل واشنطن؟
لم يعد النقاش داخل الولايات المتحدة بشأن جبهة البوليساريو يدور فقط حول نزاع إقليمي عمره عقود، بل بدأ يتحول تدريجياً إلى نقاش أمني واستراتيجي يربط الجبهة بملفات الإرهاب والنفوذ الإيراني في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل. وهذا التحول، إن استمر في التوسع، قد يغير طبيعة المقاربة الأمريكية للملف برمته.
فالانضمام المتواصل لأعضاء جدد في مجلس النواب الأمريكي إلى مشروع قانون “Polisario Front Terrorist Designation Act” لا يمكن اعتباره مجرد رقم إضافي في سجل داعمي المبادرة، بل يعكس اتجاهاً سياسياً متنامياً داخل الكونغرس نحو إخضاع البوليساريو لتدقيق غير مسبوق في علاقاتها وتحركاتها الإقليمية.
وبانضمام النائبين الجمهوريين سكوت ديجارليه ومات فان إيبس، ارتفع عدد رعاة المشروع إلى 16 نائباً، في وقت يواصل فيه مشروع موازٍ داخل مجلس الشيوخ كسب داعمين جدد. ورغم أن المشروعين لم يتحولا بعد إلى قانون نافذ، فإن اتساع قاعدة المؤيدين يكشف أن القضية لم تعد مبادرة فردية، بل أصبحت جزء من نقاش أوسع داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية.
اللافت في هذه المبادرات أنها تنقل قضية الصحراء من دائرة الخلافات الدبلوماسية التقليدية إلى فضاء الأمن القومي الأمريكي. فالمشرعون الداعمون للمشروع لا يناقشون فقط مستقبل النزاع، بل يطالبون الإدارة الأمريكية بالتحقق مما إذا كانت البوليساريو تستوفي الشروط القانونية التي تسمح بإدراجها ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية، استناداً إلى مزاعم تتعلق بعلاقات مع إيران وتعاون عسكري وأمني محتمل.
وهذا التحول في زاوية المقاربة يحمل دلالات سياسية مهمة، لأن أي نقاش داخل واشنطن يربط جهة ما بالإرهاب أو بالنفوذ الإيراني يصبح أكثر حساسية وتأثيراً من النقاشات المرتبطة بالنزاعات الإقليمية التقليدية.
التوقيت ليس معزولاً عن السياق الدولي. فالولايات المتحدة تضع مواجهة النفوذ الإيراني في مقدمة أولوياتها الأمنية، سواء في الشرق الأوسط أو في مناطق أخرى تشهد تنافساً جيوسياسياً متزايداً. ومن هذا المنطلق، فإن إثارة حقائق بشأن وجود صلات بين البوليساريو وإيران يمنح الملف بعداً يتجاوز قضية الصحراء، ويضعه ضمن ملفات الأمن الإقليمي التي تحظى بمتابعة داخل الكونغرس.
كما أن استمرار طرح هذه المبادرات بعد سنوات من اعتراف واشنطن بسيادة المغرب على صحرائه يعكس أن جزءاً من المؤسسة السياسية الأمريكية يتجه نحو تشديد مقاربته تجاه الأطراف التي يعتبر أنها قد تمثل مصدر تهديد للاستقرار الإقليمي، حتى وإن كانت المؤسسات الأمريكية المختصة لم تتخذ حتى الآن قراراً رسمياً بشأن تلك المزاعم.
ومع ذلك، فإن القراءة الموضوعية تقتضي التمييز بين الزخم السياسي والمسار القانوني. فمشروعا القانون لا يزالان في بدايات المسطرة التشريعية، ولا يعني ارتفاع عدد الداعمين أنهما سيصبحان قانوناً بصورة تلقائية. إذ يتعين عليهما المرور عبر اللجان المختصة، ثم الحصول على موافقة مجلسي النواب والشيوخ، قبل أن يصلا إلى الرئيس الأمريكي.
كما أن تصنيف أي جهة منظمةً إرهابية أجنبية يخضع في الولايات المتحدة لمعايير قانونية وإجرائية دقيقة، تشمل تقييمات تجريها وزارة الخارجية والجهات الأمنية المختصة، ولا يتم بمجرد تبني الكونغرس لمشروع قانون.
لكن، حتى وإن لم يبلغ المشروعان خط النهاية، فإن مجرد اتساع التأييد لهما يحمل رسالة سياسية واضحة: صورة البوليساريو داخل بعض دوائر صنع القرار في واشنطن لم تعد كما كانت قبل سنوات. فبدلاً من النظر إليها حصراً كطرف في نزاع إقليمي، باتت تواجه تساؤلات متزايدة حول أبعاد أمنية واستراتيجية قد تؤثر في طريقة تعامل الولايات المتحدة مع الملف مستقبلاً.
وبينما لا يزال الحسم القانوني بعيد المنال، فإن المؤكد أن الكونغرس الأمريكي فتح باباً جديداً للنقاش حول البوليساريو، وهو نقاش قد تكون تداعياته السياسية أكبر من المشروع نفسه، لأنه يعكس تحولاً تدريجياً في أولويات واشنطن، من إدارة النزاعات إلى تقييمها من منظور الأمن القومي ومكافحة الإرهاب.










