أنهت وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات العملية الوطنية الشاملة لترقيم القطيع مع نهاية دجنبر 2025، بعد بلوغها تغطية كاملة همّت 32.3 مليون رأس من الماشية. وتندرج هذه العملية في إطار التوجيهات الملكية السامية الرامية إلى إعادة بناء الرصيد الحيواني الوطني، حيث أسفرت عن إنشاء قاعدة بيانات رقمية دقيقة أصبحت المرجع الوحيد والملزم لاعتماد توزيع الدعم المالي المباشر، بما يضمن توجيه المساعدات إلى مستحقيها الحقيقيين وتعزيز حكامة القطاع.
وعلى الصعيد المالي، أعلنت الوزارة عن تعبئة غلاف استثماري مهم بلغ 5.5 مليارات درهم ضمن الشطر الأول من برنامج دعم الكسابة، تم صرف حوالي 5.2 مليار درهم منه لفائدة نحو 1.1 مليون مربي ماشية عبر تحويلات بنكية وحوالات بريدية، في خطوة تعكس تسريع وتيرة التنزيل وضمان سلاسة الاستفادة.
بالتوازي مع ذلك، يسود تفاؤل في الأوساط الفلاحية عقب التساقطات المطرية والثلجية الأخيرة، التي يُرتقب أن تُنعش الغطاء النباتي بالمراعي وتخفف الضغط عن المهنيين، ما من شأنه تسريع إعادة تكوين القطيع بعد سنوات من الإجهاد المناخي.
أما من حيث البنية الديموغرافية، فتُظهر المعطيات الرسمية هيمنة الأغنام والماعز بأكثر من 30 مليون رأس، مقابل تراجع ملحوظ في أعداد الأبقار والإبل بنسبة تقارب 30% مقارنة بالمعدلات المعتادة، نتيجة توالي فترات الجفاف وتوقف الري خلال مراحل سابقة.
وفي إطار تدبير المرحلة الانتقالية وضمان الإنصاف، فتحت الوزارة باب تلقي الشكايات طيلة شهر يناير الجاري لمعالجة الحالات التي لم تشملها عملية الترقيم، تأكيداً على حماية حقوق جميع الفلاحين وتحقيق عدالة الاستفادة من برامج الدعم.
وأكدت مصادر من داخل وزارة الفلاحة أن مرحلة ما بعد الترقيم ستركز على تحيين المعطيات بشكل دوري، وربط قاعدة البيانات الجديدة بمنظومات رقمية أخرى ذات صلة، بما يسمح بتتبع تطور القطيع جهوياً ووطنياً، ورصد أي اختلالات محتملة في الزمن الحقيقي. ويرتقب أن يشكل هذا الورش الرقمي رافعة أساسية لتحسين اتخاذ القرار العمومي وتوجيه الاستثمارات وفق الحاجيات الفعلية لكل جهة.
وفي السياق ذاته، تعكف المصالح المختصة على إعداد برامج مواكبة تقنية لفائدة الكسابة، تشمل تحسين السلالات، وتوفير الأعلاف المدعمة، وتعزيز الخدمات البيطرية الوقائية، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً من التقلبات المناخية. كما تراهن الوزارة على إشراك التنظيمات المهنية في تنزيل هذه البرامج، بما يعزز المقاربة التشاركية ويقوي مناعة القطاع أمام الأزمات المستقبلية.
ويرى مهنيون أن اعتماد الترقيم كأداة تنظيمية سيحد من مظاهر العشوائية ويضع حداً لعدد من الممارسات التي كانت تعيق وصول الدعم إلى مستحقيه، معتبرين أن هذه الخطوة تمثل تحولاً نوعياً في تدبير ملف القطيع الوطني. غير أنهم شددوا في المقابل على ضرورة الاستمرار في دعم صغار المربين ومواكبتهم تقنياً ومالياً، حتى لا يتحول الانتقال الرقمي إلى عبء إضافي عليهم.
وبين رهانات إعادة التكوين وتحديات المناخ وتقلبات الأسواق، يبدو أن قطاع تربية الماشية يدخل مرحلة جديدة عنوانها التنظيم والشفافية، في انتظار أن تترجم هذه الإجراءات إلى استقرار مستدام في الإنتاج وتحسن ملموس في أوضاع الكسابة، بما ينعكس إيجاباً على الأمن الغذائي الوطني.









