هاشــم الخياطــي
لم تعد المدرسة، التي يُفترض أن تكون فضاءً للتربية والتعلم وصقل القيم، بمنأى عن مظاهر العنف التي أخذت في التنامي بشكل مقلق خلال السنوات الأخيرة. فقد تحوّلت بعض المؤسسات التعليمية إلى بؤر للتوتر، حيث تتكرر مشاهد الاعتداءات الجسدية واللفظية بين التلاميذ، وأحيانًا ضد الأطر التربوية نفسها. هذا الواقع يطرح سؤالًا جوهريًا: من المسؤول عن هذا الانفلات؟
أول ما يطفو على السطح هو دور الأسرة، باعتبارها النواة الأولى في التنشئة. فحين يغيب التأطير الأسري السليم، أو تُستبدل لغة الحوار بالعنف أو الإهمال، ينشأ الطفل وهو يفتقر إلى أدوات التواصل السلمي وضبط النفس. كثير من حالات العنف المدرسي تجد جذورها في بيئة أسرية مضطربة، حيث يُعاد إنتاج السلوك العدواني داخل الفصل الدراسي.
غير أن تحميل الأسرة وحدها المسؤولية يُعد تبسيطًا مخلًا. فالمدرسة بدورها تتحمل نصيبًا من هذا الواقع، سواء بسبب الاكتظاظ داخل الأقسام، أو ضعف التأطير التربوي، أو غياب أنشطة موازية قادرة على تفريغ طاقات التلاميذ بشكل إيجابي. كما أن بعض المؤسسات تفتقر إلى آليات فعالة للوساطة وحل النزاعات، ما يترك المجال مفتوحًا أمام تفاقم السلوكيات العدوانية.
ولا يمكن إغفال تأثير المحيط الاجتماعي والإعلامي. فالتلاميذ اليوم يعيشون في عالم مفتوح على صور العنف، سواء عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو بعض المضامين الإعلامية التي تُطبع مع السلوك العدواني وتقدمه في أحيان كثيرة كوسيلة للهيمنة أو إثبات الذات. هذا التراكم يؤثر بشكل مباشر على سلوك الناشئة، خاصة في غياب توجيه نقدي يميز بين الواقع والتمثيل.
إلى جانب ذلك، يبرز دور السياسات العمومية في هذا الملف. فضعف الاستثمار في قطاع التعليم، وقلة الأطر التربوية والنفسية، وغياب برامج وقائية مستدامة، كلها عوامل تساهم في تفاقم الظاهرة. إن معالجة العنف المدرسي لا يمكن أن تتم عبر حلول ظرفية أو إجراءات تأديبية فقط، بل تحتاج إلى رؤية شمولية تُشرك جميع الفاعلين.
إن مسؤولية الحد من العنف في المحيط المدرسي هي مسؤولية جماعية، تتقاسمها الأسرة، والمدرسة، والمجتمع، والدولة. فإعادة الاعتبار للمدرسة كفضاء آمن يمر عبر ترسيخ قيم الاحترام والتسامح، وتعزيز التربية على المواطنة، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للتلاميذ.
في النهاية، يبقى السؤال الحقيقي ليس فقط “من المسؤول؟”، بل “كيف نتحمل جميعًا مسؤوليتنا؟”. لأن مستقبل المدرسة، ومن خلالها مستقبل المجتمع، يتوقف على قدرتنا على مواجهة هذه الظاهرة بوعي وإرادة مشتركة.










