أثار التكريم المتكرر للممثلة المصرية ليلى علوي في عدد من المهرجانات السينمائية المغربية موجة من الجدل بين النقاد والمتتبعين، الذين تساءلوا عن معايير اختيار المكرَّمين ومدى تمثيلية هذه المبادرات للمشهد الفني الوطني.
ومع اقتراب موعد الدورة الثلاثين من المهرجان الدولي لسينما المؤلف بالرباط، المزمع تنظيمها من 8 إلى 14 نونبر 2025، عاد النقاش إلى الواجهة من جديد بعد إعلان إدارة المهرجان عن تخصيص تكريم آخر للفنانة المصرية. خطوة اعتبرها عدد من النقاد استمراراً لنهج يكرّس تكرار الأسماء ذاتها، دون إتاحة المجال أمام تنوّع أكبر يعبّر عن ثراء الإبداع المغربي والعربي.
ويرى متتبعون أن هذا التكرار يعكس خللاً في ترتيب الأولويات، إذ يُفترض – حسب رأيهم – أن تُمنح التكريمات في المقام الأول لرواد السينما المغربية الذين ساهموا في تأسيس الصناعة المحلية، أو للمبدعين الشباب الذين راكموا إنجازات نوعية في المحافل الدولية.
في المقابل، يذهب آخرون إلى أن اللوبيات الفنية والإعلامية باتت تفرض حضورها داخل بعض المهرجانات، مما حوّل التكريم من اعتراف فني حقيقي إلى أداة للترويج والعلاقات العامة، وهو ما أفقد هذه المبادرات معناها الرمزي، وحوّلها في أحيان كثيرة إلى مجرد وسيلة لتبادل المصالح بين النجوم والمنظمين.

وتشير أصوات نقدية إلى أن تكرار تكريم الأسماء المصرية، مثل ليلى علوي، حسين فهمي، وإلهام شاهين، يثير تساؤلات حول مصداقية هذه الاختيارات، خاصة حين تبدو مبنية على مبدأ “أكرمك في بلدي وتكرمني في بلدك”، أو بدافع استرضاء السينما المصرية لما تمثله من ثقل فني وإعلامي عربي.
في المقابل، يرى آخرون أن حضور الفنانين العرب في المهرجانات المغربية أمر إيجابي يعزز البعد الثقافي المشترك، شريطة أن يُراعى التوازن والتنوع، حتى لا يشعر الفنانون المحليون بالتهميش أو الإقصاء، ولا يتحول الفعل الثقافي إلى مجرد مجاملة رمزية.
ويجمع النقاد على أن الإشكال لا يكمن في تكريم ليلى علوي تحديداً، بل في غياب التجديد واعتماد نفس الأسماء في كل دورة، مما يؤدي إلى تجاهل عدد من المبدعين المغاربة والعرب الذين يستحقون الاعتراف. وتشير المعطيات إلى أن الفنانة المصرية كُرّمت في المغرب نحو ثماني مرات، ما يدفع إلى التساؤل حول جدوى استمرار هذا النهج دون مراجعة أو تطوير.
ويعيد هذا الجدل القديم المتجدد النقاش حول غياب معايير واضحة وشفافة لتقدير المبدعين في المهرجانات السينمائية المغربية، والحاجة إلى رؤية جديدة أكثر انفتاحاً على الطاقات الشابة التي أثرت فعلاً في تطور السينما الوطنية والعربية.
ومن المفارقات اللافتة، أن النقاش حول التكريمات لا يقتصر على المغرب فقط، إذ شهدت الأوساط الفنية المصرية جدلاً مماثلاً بعد إعلان دار الأوبرا المصرية عن نيتها تكريم الفنانة المغربية الراحلة نعيمة سميح،التي وافتها المنية ليلة الجمعة السبت 8 مارس 2025 ، حيث اعتبر بعض الصحافيين المصريين أن الفنانة لم تقدم أعمالاً باللهجة المصرية ولا شاركت في حفلات بمصر، ما يجعل تكريمها “غير مبرر” على حد تعبيرهم ،فهل نهجت هذا النهج الفنانة المصرية ليلى علوي بالنسبة للمغرب حتى وجب تكريمها 8 مرات ؟.
لكن رئيس دار الأوبرا المصرية الدكتور علاء عبد السلام دافع عن هذا الاختيار، مؤكداً أن التكريم يستند إلى القيمة الفنية لنعيمة سميح ومكانتها العربية المرموقة، مذكّراً بأنها أدّت في مسيرتها مقاطع من أغاني أم كلثوم، ما يعكس تقديرها الكبير للفن المصري.
وقد أرفق المنظمون وثيقة أبرزوا فيها أن نعيمة سميح تُعد من أبرز الأصوات المغربية في النصف الثاني من القرن العشرين، تميزت بصوت عذب وإحساس صادق جمع بين الشجن والقوة، وأغانيها لاقت انتشاراً واسعاً في المغرب والعالم العربي.
ويرى مراقبون أن ازدواجية المواقف بين اعتراض بعض الإعلاميين المصريين على تكريم فنانة مغربية، في مقابل الترحيب المستمر بتكريم فنانين مصريين في المغرب، تكشف عن اختلال في النظرة المتبادلة للتكريم الفني، الذي يُفترض أن يكون احتفاءً بالإبداع والإنجاز، لا بالجغرافيا والانتماء.
وبين دعوات التوازن والاعتراف المتبادل، يبقى السؤال مطروحاً:
هل تتحول التكريمات في المهرجانات العربية إلى منصة لتكريس المجاملة والتبادل الرمزي، أم يمكن استعادتها كفعل ثقافي حقيقي يُنصف الإبداع ويحتفي بالتنوّع الفني العربي؟
Bas du formulaire









