الدكتور الجامعي أبو الشتاء
تنطلق هذه الرؤية من خصوصية الواقع الراهن، وأفق المستقبل من خلال المزاوجة بين جل المقاربات وكيفية تصريفها على مستوى ينبغي له أن يقوم على قاعدة العدالة الاجتماعية بجهة فاس ــ مكناس.
فقوة أي وطن ومناعته تكمن في إيمان أبنائه به، وفي استعدادهم للذود عنه، وهذه القوة لا تتأتي إلا بمشاركة هؤلاء في بناء وطنهم وفي إدارة شؤونهم العامة ، بناء على مقتضى حقهم الثابت في التعبير والمشاركة السياسية، والرقابة الشعبية والنيابية للمؤسسات الممثلة للدولة، ومعنى ذلك أن الديمقراطية هي المدخل الأمثل البناء الوطن القادر على الدفاع عن نفسه، وعلى تحشيد قواه وموارده للتصدي لأي تهديد يطاله. وإذا بلغت ظاهرة النزوح منتهى الديمقراطية فلا سبيل إلى التضحية بالمشروع الديمقراطي باسم الوطن، كما لا سبيل للتفريط في الوطن بدعوى أن الديمقراطية هي المطلب الوحيد.
إن المقاربات التي تعرفها جهة فاس ــ مكناس والمتسمة بالبطء والتردد، لم تكن متناسبة في إيقاعاتها مع التحديات التي تجابه البلاد: ، التنمية، محاربة كافة أنواع الأمية والتهميش والبطالة ، تحقيق التوازن والتكافل التنموي بين الجهات ، بالإضافة إلى غياب القرارات الحاسمة التي من شأنها أن تجعل من هذه الجهة قنطرة تنموية وديمقراطية ، وذلك بتوفير مشاريع تنموية قادرة على النهوض بالمنطقة وإحداث مناصب شغل ، وجعلها في مصاف الجهات المتقدمة ، للمضي قدما بالانتقال الديمقراطي من التمثيلية الشكلية ، إلى التمثيلية الراشدة مما يزود البلاد بمؤسسات ذات مصداقية تملك القدرة على مواجهة تبعات اللحظة الراهنة والمرحلة القادمة.
وإذا كان المشهد العام وما يرتبط به من مظاهر المحافظة والتقليدانية، غير مقنع وحده في تفسير واقع الجمود والسكون التي تعرفه هذه الجهة ، فالأمر إذن يستدعي إعادة النظر في المقاربات الضيقة وتجاوز النظرة التقليدية، نحو الآفاق الأوسع التي تمنحنا حكامة جيدة وتشاركية إيجابية، بل أضحى من المشروع المطالبة بمواجهة التكلفة السياسية للمشاريع التنموية وخاصة منها المشاريع التي تستفيد من دعم الدولة ، مثلما يتم المطالبة بمواجهة تكلفتها الاجتماعية ، أي آثارها الوخيمة على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي.
فهذه السياسات التنموية والمقاربات التي في نظر تسعى لتنمية تسعة أقاليم بالجهة ، والتي عقدت عليها آمال عريضة تبدو متعثرة ومترددة وغائبة في بعض الأقاليم أو في جلها ، بل يبدو في بعض الأحيان أن هناك تراجعا، وأن أي تراكم لم يتحقق فالجمود والارتجال وانسداد الأفق وشبه اللامبالاة بما يجري في العمق الاجتماعي، كلها مظاهر تطغى على النظرة الكلاسيكية في معالجة الملفات والبرامج التي تسعى للنهوض بالمنطقة، وتنطوي على مخاطر أكبر بكثير مما كان عليه الأمر في السابق ، لأنها تولد اليأس والانكفاء على الذات ومحاولة التحصن بالماضي، مثلما تدفع في اتجاه المجازفة بإطلاق العنان للقوى المدمرة الكامنة وسط المجتمع من جراء الفقر والاقصاء والبطالة والجهل والتهميش.
إن محاولة مقاربة إشكالية الواقع الاجتماعي ليست من منظور تقليدي ، بل تطرح الواقع من زوايا متعددة، زاوية خلق حوار مع النخب القادرة على تحمل مسؤوليتها، زاوية إشكالية التنمية، زاوية العدالة الاجتماعية، زاوية الشفافية مع الأخذ بعين الاعتبار المتغير ات التي تطرح ربما تساؤلات من نوع جديد.
فالنزوح الجماعي وما يطرحه من ضرورة المراجعة النقدية للمقاربات والمواقف ، التي دأب المسؤولون على اتخاذها بهذه الجهة، والتي تستقطب الأولوية في مشروع الجهوية المتقدمة وتوجد في وضع يتسم بضعف المناعة الديمقراطية والمؤسساتية ، وتتسم بهشاشة النسيج الاقتصادي والاجتماعي، مما أدى إلى نمو اقتصاد الريع وثقافة الاتكالية والانتظارية، وعقلية استهلاكية جاهزة، وتبقى الدولة هي المشغل الأكبر إن لم نقل الوحيد داخل هذه الأقاليم التسعة ، وكذا عدم تمكن المجتمع من فرز القوي والنخب القادرة على التدبير العقلاني لشؤون المنطقة. هذه العوامل كلها وراء تفسير هذه الظاهرة الفريدة النزوح الجماعي ، والتي تجعل كافة النخب التقليدية غير قادرة على استيعاب إكراهات المرحلة ، لكونها تظل حبيسة عقلية الماضي وغير قادرة على تدشين حلقة التحديث السياسي العميق، وولوج معترك الانتقال الديمقراطي، ومناهضة الفساد والتسبب.
وقد حان الوقت لترتيب الأولويات وما أكثرها، وفق جدليات تلامس آليات الحلول الجذرية، فواقع الحال يستدعي في اعتقاد الجميع فهما مغايرا وعميقا للمجتمع المحلي، مما يتطلب تفعيل بعض الجدليات الأساسية:
- الجدلية القائمة بين مفهومي الحكامة والتشاركية الإيجابية ، وتجسيدها على مستوى المقدم خدمات الاستثمارية والتنفيذية.
- جدلية خلق مناخ ملائم للنخب الجديدة ، وتجاوز البداوة السياسية وتوريث النخب بين المسؤولين.
- الجدلية القائمة بين التنمية والتشغيل والمقاربة الأمنية، حيث يستدعي الوقت الراهن مراجعة جذرية والإلحاح على تغليب الجانب التنموي على الجانب الأمني ، في ظل إعادة النظر في مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، من خلال إحداث و تتبع إنجازية المشاريع على أرض الواقع.
ومن هنا ينبغي التفكير والتساؤل – قصد الإصلاح في علاقة إخفاق الأقطاب الثلاثة التي يتمشدق بها المسؤولون: (الاستثمار، التنمية المستدامة، الدعم الاجتماعي).بالوضع الاجتماعي المتأزم؟ فماذا بعد كل هذا؟ وإلى أين تتجه جهة فاس ـ مكناس؟.










