حلت يوم الاثنين الثامن من دجنبر الجاري الذكرى الخمسون لواحدة من أكثر الصفحات إيلاماً في تاريخ الجالية المغربية من طرف السلطات الجزائرية ، حين وجد ما يقارب 45 ألف مغربي ومغربية أنفسهم سنة 1975 أمام قرار طرد تعسفي جماعي مفاجئ، غيّر مصير آلاف الأسر وقلب حياتهم رأساً على عقب.
ففي تلك الفترة، تم ترحيل هؤلاء السكان قسراً من بيوتهم وأعمالهم نحو الحدود المغربية–الجزائرية، وسط ظروف قاسية خلت من أي اعتبار إنساني، ودون إشعار مسبق أو توضيح رسمي يبرر هذا الإجراء اللاإنساني.
العائلات أُخرجت دفعة واحدة، بما في ذلك الأسر المختلطة ذات الروابط المغربية الجزائرية، حيث فُصل الأزواج عن زوجاتهم والأبناء عن آبائهم، وتم تجميع المرحّلين في مراكز مؤقتة بعدما جُرّدوا من جميع ممتلكاتهم ومتاعهم.
وجرى تنفيذ العملية في طقس شديد البرودة، وعلى بُعد أيام قليلة فقط من عيد الأضحى، ما ضاعف من مأساوية الحدث وألقى بظلاله الثقيلة على الضحايا، الذين ما يزال كثير منهم يستحضر تلك اللحظات كلما حلّ موعد الذكرى.
![]()
ورغم مرور نصف قرن على هذه الحادثة التي رُصدت على نطاق واسع كواحدة من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المنطقة، لم تُصدر السلطات الجزائرية إلى اليوم أي اعتراف رسمي بمسؤوليتها عن ما وقع، وهو ما أبقى الجرح مفتوحاً في نفوس المتضررين وأسرهم.
في هذا السياق، جدّد التجمع الدولي لدعم العائلات ذات الأصل المغربي المطرودة من الجزائر سنة 1975 مطالبه للسلطات الجزائرية، داعياً إلى تقديم اعتذار رسمي وتحمل كامل المسؤولية، مع استرجاع الممتلكات المصادرة وتعويض الضحايا مادياً ومعنوياً عن الخسائر التي لحقت بهم.
ويؤكد التجمع أنه ماضٍ في مساره الترافعي على المستوى الدولي لإسماع صوت الضحايا، مستعيناً بكل الآليات القانونية المتاحة لتعزيز مسار الإنصاف وتحقيق العدالة. كما يواصل برنامجه السنوي لإحياء هذه الذكرى، بهدف توثيق الوقائع وضمان عدم تكرار التاريخ أو محو آثاره، ووضع الحقيقة كاملة أمام الرأي العام العالمي.

ورغم صمت السلطات الجزائرية، لا تزال الشهادات الحية للضحايا وأفراد أسرهم تُشكّل مرجعاً أساسياً في توثيق ما جرى. كثيرون منهم ما زالوا يسترجعون تفاصيل تلك الساعات الحاسمة: مغادرة مفاجئة، خطوات متسارعة نحو الحدود، وحقائب خفيفة لم يتّسع الوقت لتجهيزها.
تجارب إنسانية مختلفة، لكنها تحمل الألم نفسه والصدمة ذاتها، وتلتقي عند نقطة واحدة: الإحساس بالاقتلاع القسري من جذور الاستقرار.
ويؤكد باحثون في التاريخ الحديث أن هذه الشهادات أصبحت اليوم مدخلاً ضرورياً لفهم تلك الحقبة، مشيرين إلى أن تدوينها وحفظها يمثّلان مسؤولية جماعية، حتى لا تتحوّل المأساة إلى مجرد رقم في أرشيف الأحداث المنسية.
على المستوى الدولي، تعمل منظمات حقوق الإنسان على إدراج ملف الطرد الجماعي ضمن قضايا الذاكرة الجماعية في المنطقة المغاربية، معتبرةً أن الكشف عن الحقيقة والاعتراف الرسمي يشكّلان جزءاً أساسياً من ترميم العلاقات الإنسانية بين الشعبين.
وتشير هذه الهيئات إلى أن ملف المطرودين لا يمكن حله فقط بمنطق العلاقات السياسية، بل يتطلب مقاربة إنسانية تراعي حجم الألم الذي خلّفته هذه التجربة القاسية، خاصة وأن جزءاً من الضحايا اليوم متقدمون في السن، ويبحثون فقط عن اعتراف معنوي يرفع عنهم مرارة الماضي.
ورغم التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة، يبقى ملف 1975 عالقاً في منطقة رمادية بين ما هو سياسي وما هو إنساني. ومع استمرار غياب الاعتراف الرسمي، تتضاعف المسؤولية على منظمات المجتمع المدني المغربية والدولية من أجل الدفاع عن الذاكرة الجماعية وحماية حقوق الضحايا.
ويرى محللون أن حلّ الملف قد يشكّل فرصة لإعادة بناء الثقة في المنطقة، شرط أن يَغلُب صوت العدالة على منطق الحسابات الضيقة. فالاعتراف بما جرى، بحسب كثير من المتابعين، هو الخطوة الأولى نحو تصفية واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقات المغربية-الجزائرية.
ومع إحياء الذكرى الخمسين، تبرز رسالة واحدة تتردد على ألسنة الضحايا والمتضامنين:
العدالة حق لا يسقط بالتقادم.
فالزمن، رغم طول مداه، لم ينجح في محو تفاصيل تلك الأيام العصيبة من الذاكرة الجماعية. وما دام الألم قائماً، فإن مطلب فتح الملف رسمياً سيظل قائماً بدوره، إلى أن تُعاد الأمور إلى نصابها ويُمنح الضحايا ما يستحقون من اعتراف وجبر ضرر وإنصاف.









