مجموعة من المواطنين ومنهم شرائح واسعة من الشباب من ضحايا جائحة كورونا وتداعياتها، لم يجدوا سبيلا، سوى الاعتماد على إمكانياتهم الخاصة، لخلق فرص شغل ذاتية تخلصهم من مخالب البطالة القاتلة، فبرزت في هذا الإطار مجموعة من الأنشطة الخدماتية التي انتشرت في الكثير من المدن، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، أنشطة “المقاهي المتنقلة” التي باتت اليوم، أنشطة صاعدة، آخذة في الانتشار، على غرار الأنشطة المرتبطة بالوجبات السريعة التي بدأت تغزو بعض الأماكن العمومية وفي الطرقات خارج المدن.
وبقدر ما ثمن العديد من المواطنين مبادرة هؤلاء الشباب الذين سعوا بإمكانيات بسيطة إلى خلق فرص شغل ذاتية ، وتم التنويه بما يتمتعون به من روح المسؤولية والمبادرة ومن تملك ثقافة المشاريع، بقدر ما طالبوا السلطات المختصة، بالانتباه إلى هذه الأنشطة المهنية والخدماتية الصاعدة، التي باتت واقعا لامحيد عنه، عبر إخضاعها لسلطة القانون، في إطار “رؤية قانونية استباقية”، تضع في الحسبان، ما يمكن أن تخلقه هذه المقاهي المتنقلة وغيرها من المشاريع الخدماتية المماثلة، من مظاهر العشوائية والفوضى داخل المجالات الحضرية وخارجها ، خاصة في ظل تكاثرها وامتدادها المجالي، وما يمكن أن تحدثه من أضرار مادية ومعنوية على أرباب المقاهي “الثابتة” التي تتحمل أعباء ضريبية وتساهم في إنعاش الشغل، وما قد تشكله من مساس بالسلامة الصحية للزبناء.
واستحضارا للدور الفعال لهذه المشاريع الذاتية في تنمية الدخل الفردي ، والنهوض بواقع التنمية البشرية، في سياق سوسيواقتصادي صعب، واعتبارا لأهميتها في امتصاص البطالة في أوساط الشباب، وتقديرا للمجهودات المتعددة الزوايا، التي ما فتئ يقوم بها الملك محمد السادس، في سبيل الرفع من مستوى التنمية البشرية خاصة في الأوساط الفقيرة والهشة، وأخذا بعين الاعتبار الرهانات المرتبطة بالنموذج التنموي، وبمسؤوليات الحكومة في دعم المقاولين الذاتيين ومواكبة حاملي المشاريع، ندعو عبر هذا المقال، السلطات المختصة من أجل التحرك لتقنين وتنظيم هذه المقاهي المتنقلة شأنها في ذلك شأن “المطاعم المتنقلة”، بما يضمن إدخالها إلى “القطاع المهيكل”، وتمكين أصحابها، من مناخ قانوني ملائم، يسمـح لهم بممارسة أنشطتهم، بعيدا عن طقوس “التضييق” أو “الاستفزاز” أو “الابتزاز”، ودون أن يؤثروا على أنشطة المقاهي “الثابتة”
وإذا كانت “المقاهي المتنقلة” التي باتت تلعب دور “مقاهي القرب”، لابد من استحضار ما باتت تعرفه الكثير من المجالات الحضرية، من مشاهد العشوائية والفوضى والترامي على الملك العام ، وتغييب سلطة القانون بدء بانتشار الباعة المتجولين وباعة الرصيف، مرورا بتمدد أنشطة المطاعم المتنقلة، التي اكتسحت الكثير من الشوارع والطرقات ، وانتهاء بجائحة الكلاب الضالة والبغال والحمير وحتى القطط ، التي باتت جزء لا يتجزأ من المنظر العام لمعظم المدن إن لم نقل كلها، بشكل كرس ويكرس مجالات حضرية بئيسة فاقدة لأدنى شروط الجاذبية والجمال والإشعاع، وهذه الظواهر المقلقة للسياح والمواطنين على حد سواء ، تسائل الكثير من صناع القرار المحلي، الذين يتحملون المسؤولية كاملة، فيما آلت إليه المدن من بؤس وتراجع وانحطاط، ووجب عليهم تحمل مسؤولياتهم المواطنة واستحضار الضمير المهني، من أجل تطهير المدن مما تعيشه من فوضى وعشوائية، من أجل كسب رهانات مجالات حضرية أنيقة وجذابة، عاكسة لما يشهده المغرب من تحولات على جميع المستويات، وفي هذا الإطار، لا يمكن حرمان الناس من أرزاقها، بل المطالب تتجه نحو إدخال جميع الأنشطة غير المهيكلة إلى دائـرة الهيكلة والنظام والقانون.










