القنيطرة : هاشــم الخياطــي
يا فخامة الرئيس،
نحن شعبان شقيقان، لا يجمعنا سوى الدم والتاريخ والمصير الواحد، وما بيننا من سوء فهم أو خلاف لا يمكن أن يُحل إلا في هذا الإطار الأخوي الذي خطّه لنا الأجداد، وباركه الجغرافيا والتاريخ معاً.
هل في الشعب الجزائري من ينكر مغربية الصحراء؟ وهو يدرك أن هذا الإنكار، قبل أن يكون تجاوزاً على حقائق التاريخ والجغرافيا، إنما هو إضرار مباشر بمصالح الجزائر وشعبها الطيب، إذ يجعل التنمية والرفاه المستحقين له رهينين بمواقف سياسية عابرة، لا تُسمن ولا تغني من جوع.
لم يقف جلالة الملك محمد السادس، في خطاب من خطاباته العرشية أو المناسبة، إلا ومدّ يده إلى الشعب الجزائري أولاً، ثم إلى قيادته ثانياً. ولذلك، لم يكن غريباً أن يُعرف اليوم بـ“ملك اليد الممدودة”، يدٌ لم تُغلق يوماً في وجه الإخوة، مهما اشتد الخلاف أو طال أمد القطيعة.
يا فخامة الرئيس،
قدّروا موقف الملك حقّ قدره، وتأملوا لو أنكم سألتم شعبكم: ما موقفه لو أن دولة أخرى تدخلت في شؤون ولاية وهران مثلاً، أو حاولت رسم مستقبلها بمعزل عنكم؟ ألا يكون ذلك تدخلاً في السيادة الوطنية؟ فلماذا إذن تقبلون لأنفسكم ما لا ترضونه لغيركم؟
أنتم تنادون بتقرير المصير في خرائط غيركم دون حق ، وتطالبون بحقوق مزعومة خارج حدودكم، بينما تتناسون أن المواثيق الدولية لا تُكتب لتُحفظ في الأدراج، بل لتُحترم وتُطبّق، وأن الأمم لا تبنى على ازدواجية المعايير. فإذا كانت قرارات الأمم المتحدة لا تلزمكم، وأنتم دولة مؤسسات، فبأي وجه ستلتزم بها من تسمونها “الجمهورية الصحراوية” غداً وأنتم تعرفون حق المعرفة أنا وهمية ومن صنعكم المبتذل ؟ إنكم بذلك تزرعون الفوضى في القانون الدولي وتفتحون الباب أمام العبث بالسيادات.
إن اليد الممدودة من المغرب ليست ضعفاً، بل شجاعة الحكماء الذين يريدون أن ينتصروا للعقل والمستقبل، لا للأحقاد والماضي. فافتحوا قلوبكم قبل حدودكم، ولتكن اليد الممدودة فاتحة لمرحلة جديدة، شاقة في بدايتها، لكنها مثمرة في نهايتها، خيراً للشعبين وللأمة المغاربية جمعاء.
أنتم، فخامة الرئيس، بشرٌ تمرون كما مرّ من قبلكم، لكن الشعوب هي الباقية، وهي من تكتب التاريخ وتخلّد الأسماء. فاجعلونا نؤرخ بكم لعهدٍ جديد، مغاربيٍّ في روحه، متصالحٍ مع ذاته، متطلعٍ إلى الوحدة والازدهار.
أما آن الأوان لطي صفحة الشقاق وفتح صفحة الإخاء؟
سيدي الرئيس.
دعونا، كمغاربيين، نؤرخ بكم لعهدٍ جديد، يُعيد لنا الأمل، ويمنح للأجيال القادمة مستقبلاً يستحقونه.
إن التاريخ، يا فخامة الرئيس، لا يرحم من أضاع فرص السلام، ولا يكرم من جعل من الخلافات وسيلة لإدامة العزلة والتأخر. التاريخ يذكر من مدّ يده بصدق، ومن اختار أن يكتب سطراً جديداً في كتاب الأخوة المغاربية، لا من وقف عند صفحات الخلاف والخصام.
لقد آن الأوان لأن ننزع من بيننا لغة الشك وسوء الظن، وأن نعترف بأننا أبناء فضاء واحد، وأن قوة المغرب والجزائر لا يمكن أن تتحقق إلا معاً، لا متقابلين. فعدونا الحقيقي ليس بعضنا البعض، بل التخلف، والفقر، والبطالة، والجهل، وانسداد الأفق أمام شبابنا الذين يحلمون بغدٍ أفضل.
السيد الرئيس،
أنتم تعرفون، كما نعرف نحن، أن الحروب لا تُربح في ميدان المعارك، بل تُربح على طاولة الحوار. وأن منطق التاريخ لا يعترف بالدول التي تعيش في صراعات دائمة، بل يكرم الأمم التي تحوّل الخلاف إلى فرصة للبناء.
انظروا، فخامة الرئيس، إلى الشعوب التي تجاوزت حروبها وأحقادها، كيف أصبحت اليوم قِبلةً للتنمية والعلم والازدهار. ألمانيا وفرنسا، بعد قرون من الدماء، أصبحتا نموذجاً للوحدة الأوروبية. فلماذا لا نكون نحن نموذجاً للوحدة المغاربية التي تبدأ من الرباط والجزائر، وتمتد إلى تونس وطرابلس ونواكشوط؟
إننا لا نطلب المستحيل، ولا ندعو إلى إذابة الكيان الجزائري في المغربي، أو العكس. بل نطلب فقط أن نضع مصلحة الشعوب فوق مصالح الأنظمة، وأن نعيد رسم العلاقات بيننا على أساس التعاون، لا التصادم؛ وعلى الثقة، لا الشك؛ وعلى حسن الجوار، لا العداء.
يا فخامة الرئيس،
الشعوب المغاربية تنتظر منكم ومن جلالة الملك محمد السادس لحظة تاريخية تُعيد الأمل إلى القلوب.
تنتظر مصافحة صادقة، تُنهي عقوداً من الجفاء، وتفتح الأبواب أمام وحدة اقتصادية وأمنية وثقافية، تُخرج المنطقة من العزلة إلى دورها الطبيعي في إفريقيا والعالم.
فلتكن خطوتكم القادمة، السيد الرئيس، هي الكلمة التي ينتظرها الجميع: “كفى خصاماً، ولنبدأ صفحة جديدة”.
ولتُسجَّل باسمكم، وباسم جلالة الملك، لحظة المصالحة التاريخية التي يُكتب فيها: هنا بدأت نهضة المغرب الكبير.
هكذا فقط سنستحق أن نكون أبناء هذا التاريخ المشترك، شركاء في الجغرافيا والمستقبل، وأمة واحدة في وجه التحديات.
وسيعرف أبناؤنا، حين يقرؤون رسالتنا هذه بعد عقود، أننا كنا نؤمن بأن الأخوة ليست شعاراً، بل عهد ومسؤولية.فلنُوقِف لغة الاتهام، ولنرفع لواء التعاون.ولنقل للعالم كله:
المغرب والجزائر إخوة إلى الأبد، مهما اختلفت الأنظمة، فإن الدم لا يُمحى، والتاريخ لا يُزور.









