هاشــم الخياطــي
لم يعد النقاش حول قانون مهنة المحاماة يدور اليوم في المرحلة نفسها التي بدأ منها، بعدما صدر الظهير الشريف بتنفيذ القانون ونشره في الجريدة الرسمية، لتنتقل المواجهة من سؤال: هل سيمر النص أم لا؟ إلى سؤال أكثر تعقيداً: كيف سيتعامل المحامون مع قانون دخل حيز التنفيذ وهم يرون أن عدداً من مقتضياته لا تزال تستوجب المراجعة والتعديل؟
في هذه اللحظة بالذات، يبدو أن آخر بلاغ لوزير العدل حمل نبرة مختلفة عن الخطاب الذي طبع مراحل سابقة من الأزمة. فحديثه عن الاستعداد لمواصلة العمل مع المحامين من أجل التنزيل الأمثل للقانون، واستحضاره لمكانة المهنة داخل منظومة العدالة، يفتح، ولو نظرياً، نافذة يمكن أن تعبر منها الأزمة نحو مسار آخر أكثر هدوءاً وأقل كلفة على الجميع.
فالواقع أن استمرار الإضراب لم يعد يضغط على الحكومة وحدها، بل أصبحت كلفته موزعة على مختلف أطراف العدالة. أكثر من مائة يوم من التوقف تركت آثاراً على المحاكم والملفات والمتقاضين والمعتقلين والأسر والمقاولات، وأثرت كذلك في مصالح الجالية المغربية التي تتزامن زياراتها للمغرب مع فترات العطلة، فضلاً عن الأضرار التي لحقت بالمحامين أنفسهم.
ولهذا، فإن العودة إلى المحاكم لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها تراجعاً أو إقراراً بالهزيمة. أحياناً يكون تعليق المعركة أكثر ذكاءً من خوضها بالطريقة نفسها، خصوصاً عندما تتغير قواعد المواجهة. فالقانون أصبح نافذاً، والمرحلة التي كان فيها إسقاط المشروع أو تعطيله هي الهدف المباشر انتهت. أما الآن، فقد بدأت مرحلة يمكن أن يكون فيها التفاوض، والتعديل التشريعي، والضغط المؤسساتي، والاشتغال البرلماني، أكثر تأثيراً من الاستمرار في الإضراب.
المحامون لا يحتاجون إلى التخلي عن مطالبهم حتى يعودوا إلى قاعات المحاكم. بالعكس، يمكن للعودة أن تمنحهم موقعاً أقوى لخوض الجولة المقبلة، لأن المحامي الذي يمارس مهنته ويعيش يومياً تفاصيل النص الجديد سيكون أقدر على رصد اختلالاته وتوثيق آثارها وتحويلها إلى حجج قانونية ومهنية وسياسية قابلة للنقاش.
ثم إن المعركة لم تكن في نهاية المطاف معركة حول مواد قانونية فقط. لقد كشفت الأزمة عن سؤال أعمق يتعلق بموقع المحامي داخل منظومة العدالة، وبحدود استقلال المهنة، وبالضمانات التي ينبغي أن تحيط بممارسة الدفاع، وبالعلاقة بين المحامي وباقي مكونات السلطة القضائية والتنفيذية.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط القوة التي خرج بها الجسم المهني من هذه المواجهة: الوحدة.
لقد أظهرت الأزمة قدرة غير عادية على التعبئة والالتفاف حول قضايا اعتبرها المحامون مرتبطة بجوهر مهنتهم. وهذه الوحدة لا ينبغي أن تُستهلك في إضراب مفتوح، بل يجب أن تتحول إلى قوة تفاوضية مستمرة، قادرة على التأثير في النقاش العمومي وصناعة المواقف والدفع نحو مراجعة المقتضيات التي ستكشف الممارسة اليومية أنها تحتاج إلى تعديل.
القانون ليس كتاباً مغلقاً إلى الأبد. فالنصوص التشريعية يمكن تعديلها، والتجربة العملية يمكن أن تكشف عيوباً لم تظهر أثناء مرحلة الإعداد، والبرلمان يظل مجالاً أساسياً لإعادة النظر في القوانين، كما أن النظام القانوني يتيح، وفق شروطه ومساطره، إمكانات أخرى لإثارة مسائل دستورية عندما تتوفر شروطها.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي قد يكون في نقل المعركة من الشارع المهني إلى المؤسسات، ومن التوقف عن العمل إلى الاشتغال السياسي والقانوني المنظم، ومن الاحتجاج وحده إلى بناء قوة اقتراحية قادرة على فرض تعديلات واضحة ومحددة.
والمرحلة الانتخابية المقبلة توفر بدورها فرصة لا ينبغي إهدارها. فالأحزاب والفرق البرلمانية ستكون في حاجة إلى مخاطبة مختلف الفئات المهنية، والمحامون يمتلكون من الأدوات ما يسمح لهم بتحويل مطالبهم إلى التزامات سياسية واضحة، ثم مساءلة من تعهد بها بعد الوصول إلى البرلمان والحكومة.
إن المعركة التي خاضها المحامون أثبتت أن لديهم قدرة على الضغط، لكن القوة لا تقاس فقط بعدد أيام الإضراب، وإنما أيضاً بمدى القدرة على تحويل الضغط إلى نتائج مستدامة. وربما يكون الخطأ هو الاعتقاد بأن استمرار المواجهة بالشكل نفسه سيؤدي بالضرورة إلى نتيجة مختلفة.
لقد وصلت جولة إلى نهايتها، لكن هذا لا يعني أن كل الأسئلة وجدت أجوبتها، ولا أن جميع الاعتراضات فقدت مشروعيتها. بل إن دخول القانون حيز التنفيذ قد يكون بداية اختبار حقيقي لمقتضياته، وعندها ستتحدث الممارسة أكثر مما تحدثت البيانات.
لذلك، فإن تعليق الإضراب في هذه اللحظة يمكن أن يكون قراراً سياسياً ومهنياً محسوباً، لا تنازلاً. العودة إلى المحاكم يمكن أن تكون إعادة انتشار، لا استسلاماً. وفتح قنوات الحوار مع وزارة العدل وباقي المؤسسات لا يعني التخلي عن المطالب، بل يمكن أن يكون الطريق الأكثر فاعلية لانتزاع ما يمكن انتزاعه منها.
المحامي لا يملك سلاحاً واحداً. لديه القانون، والمحكمة، والنقابة، والمؤسسة، والحوار، والضغط المهني، والرأي العام، والعمل البرلماني، والطعن القضائي، وكلها أدوات يمكن استخدامها في الوقت المناسب وبالقدر المناسب.
المطلوب إذن ليس إسقاط السلاح، وإنما تغيير طريقة حمله.
علّقوا الإضراب، وافتحوا أبواب المحاكم، ودعوا العدالة تستعيد إيقاعها الطبيعي، لكن لا تتخلوا عن مطالبكم ولا عن وحدتكم. اتركوا للقانون فرصة أن يكشف نفسه في التطبيق، وللمؤسسات فرصة أن تسمع، وللسياسة فرصة أن تنتج التعديلات المطلوبة.
فالمعركة الذكية ليست تلك التي تستمر إلى أن يُنهك الجميع، وإنما تلك التي يعرف أصحابها متى يصعّدون، ومتى يتراجعون خطوة لإعادة ترتيب الصفوف، ومتى يعودون إلى المواجهة بأدوات أقوى وحجج أكثر صلابة.
لم تنته معركة المحامين بصدور القانون، لكنها تغيرت. والجولة المقبلة لن تُحسم بعدد الأيام التي أغلقت فيها أبواب المحاكم، وإنما بمدى قدرة المحامين على تحويل وحدتهم إلى تأثير، واحتجاجهم إلى اقتراح، ومطالبهم إلى تعديلات، وحضورهم المهني إلى قوة داخل المؤسسات.
علّقوا الإضراب… ولا تسقطوا السلاح. فالجولة انتهت، أما المعركة فدخلت مرحلة جديدة.









