لا يزال مجلس الجماعة الترابية لمدينة مكناس ماضياً في نهجٍ يطبعه الجمود وقلة التفاعل مع مظاهر التدهور التي تطال عدداً من المرافق الأساسية للمدينة، رغم النداءات المتكررة التي تعج بها المنابر الإعلامية المحلية ومواقع التواصل الاجتماعي. نداءات تطالب بإيلاء ما تبقى من الولاية الحالية الحد الأدنى من العناية والاهتمام، أملاً في استعادة المكانة الحضارية التي طالما تميزت بها المدينة، حين كانت قبلة للزوار ووجهة مفضلة حتى لبعض سكان فاس لقضاء أوقاتهم بين أحيائها وساحاتها.
مكناس، المدينة التي قدمت تضحيات جساماً برجالاتها خلال مرحلة مقاومة الاستعمار وبناء صرح الاستقلال، تجد نفسها اليوم أمام واقع يثير الكثير من علامات الاستفهام. فطريقة تدبير الشأن المحلي توحي بغياب رؤية واضحة للنهوض بأوضاعها، في وقت تتفاقم فيه مشاكل البنية التحتية والخدمات الأساسية.
الطرق والأزقة بلغت مستويات مقلقة من التدهور؛ حفر متناثرة في كل اتجاه، وأرصفة مهملة، وأزقة تئن تحت وطأة الإهمال. وحتى سياسة “الترقيع” التي كانت تعتمدها مجالس سابقة كحل مؤقت، لم يعد لها أثر يذكر. هذا الوضع دفع عدداً من سائقي سيارات الأجرة وأصحاب المركبات إلى التساؤل حول السبل القانونية المتاحة لمطالبة المجلس الجماعي بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بمركباتهم جراء كثرة الحفر والنفايات المنتشرة بشكل عشوائي في بعض الأحياء.

ومن يتابع تفاصيل تدبير المدينة يدرك أن المشهد العام يعكس حالة من الترهل؛ مدارات طرقية لا تخفي اختلالات أعمق، إنارة عمومية معطلة في عدد من الأزقة، أسواق قرب شُيّدت بميزانيات مهمة لكنها ظلت شبه خالية، وباعة متجولون لم تفلح هذه المشاريع في إدماجهم ضمن فضاءات منظمة. إلى جانب ذلك، يتزايد حضور المتسولين عند التقاطعات والإشارات الضوئية، في صورة اجتماعية تعكس اختلالات تتجاوز البعد العمراني إلى أبعاد اجتماعية واقتصادية أعمق.
أما الأشغال المفتوحة هنا وهناك، فغالباً ما تطول مدتها دون نتائج ملموسة، وكأن الهدف الإبقاء على صورة “الورش المفتوح” أكثر من تحقيق أثر فعلي على الأرض. بعض الحدائق فقدت جزءاً من رونقها تحت زحف الإسمنت، وفضاءات كانت مخصصة للترفيه واللعب تحولت إلى مساحات باهتة تفتقر للروح. حتى النافورة المتوقفة وسط الساحة الإدارية أصبحت رمزاً لحالة الجمود، تشوه المنظر العام بدل أن تضفي عليه حيوية وجاذبية.

إن جمالية المدينة ونظافتها لم تعد ترفاً، بل مطلباً أساسياً يعكس كرامة الساكنة وحقها في فضاء حضري لائق. فالمدينة ليست مجرد بنايات وطرق، بل ذاكرة وتاريخ وهوية تستحق الصون والتثمين.
ويبقى السؤال معلقاً: هل سيعيد المسؤولون النظر في أسلوب تدبيرهم لملفات مكناس المزمنة، ويترجمون وعودهم الانتخابية إلى برامج ملموسة؟ أم أن المشهد سيظل على حاله إلى حين حلول محطة انتخابية جديدة، تُستعاد فيها نفس الوجوه، بنفس الخطابات، وبنفس الوعود التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ؟









