هاشــم الخياطــي
هناك أشخاص لا يعرفون أن يحبوا بنصف قلب، ولا يجيدون الحضور بحدوده الدنيا. حين يمنحون اهتمامهم، يفعلون ذلك بكل ما يملكون من صدق وعفوية، فيلتقطون التفاصيل الصغيرة التي يغفل عنها الآخرون، ويقرأون المشاعر المختبئة خلف الكلمات، ويمنحون من وقتهم ومشاعرهم أكثر مما يُطلب منهم.
هؤلاء لا يكتفون بالوجود في حياة من يحبون، بل يجعلون من حضورهم مساحة من الأمان والاحتواء. يتذكرون ما يُنسى، ويهتمون بما يبدو بسيطاً، ويمنحون من حولهم شعوراً دائماً بأنهم مهمون ومقدّرون.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا يحدث عندما لا يجد هذا الاهتمام صداه؟ عندما يُقابل العطاء باللامبالاة، والصدق بالبرود، والحضور بالتجاهل؟
في البداية، يرفض الإنسان تصديق الحقيقة. يبحث عن المبررات، ويصنع الأعذار للآخرين، ويقنع نفسه بأن الانشغال مؤقت أو أن التعب هو السبب، وأن المشاعر لا تزال موجودة لكنها لا تجد الطريق إلى التعبير. يظل متمسكاً بالأمل، مؤجلاً مواجهة الواقع قدر الإمكان.
لكن مع مرور الوقت، يبدأ الإرهاق بالتسلل إلى الروح. ليس لأن صاحب العطاء ضعيف أو قليل الصبر، بل لأنه استنزف الكثير من مشاعره في محاولة الحفاظ على شيء لم يعد متوازناً. عندها يبدأ تحول هادئ لا يلاحظه أحد في البداية، لكنه يكون الأعمق أثراً.
يصبح الصمت أكثر حضوراً من الكلام، وتقل الأسئلة التي كانت تتكرر بدافع الاهتمام، وتتأخر الردود التي كانت تأتي سريعاً، ويختفي ذلك الحرص الذي كان يملأ التفاصيل اليومية. إنه انسحاب تدريجي لا تصاحبه ضجة ولا تسبقه خصومات.
هذا التحول ليس انتقاماً، ولا محاولة لإيذاء أحد، بل هو شكل متأخر من أشكال احترام الذات. فالإنسان يتعلم مع الوقت أن العطاء لا ينبغي أن يكون بلا حدود، وأن المشاعر التي لا تجد تقديراً تتحول مع الأيام إلى عبء ثقيل على صاحبها.
وحين يصل إلى هذه المرحلة، قد يبدو للآخرين أكثر بروداً أو أقل اهتماماً، بينما الحقيقة أنه لم يتغير فجأة، بل أدرك فقط متى يجب أن يتوقف عن تقديم ما لا يُقابل بالتقدير.
لذلك، فإن أولئك الذين كانوا مبدعين في الاهتمام قد يصبحون مبدعين في التجاهل أيضاً، ليس لأن القسوة سكنت قلوبهم، بل لأن تجاربهم علمتهم أن بعض المشاعر حين لا تجد من يفهمها أو يبادلها الصدق نفسه، يصبح الصمت أبلغ من كل الكلمات.
وفي النهاية، لا يكون ألم الغياب هو الأكثر قسوة، بل الإحساس بأننا كنا حاضرين بكل صدقنا ودفء مشاعرنا، ومع ذلك لم يلتفت أحد إلى قيمة ذلك الحضور إلا بعد أن أصبح مجرد ذكرى.











