يواجه الوطن الجزائري اليوم وضعًا مائيًا شديد الخطورة، إذ أصبح أزمة الماء تتصاعد بشكل مخيف، وتصبح تهديدًا مباشرًا لحياة المواطن الجزائري البسيط، بينما يواصل نظام الكابرانات إهماله وتهاونه في حماية الموارد المائية الوطنية. ففي الوقت الذي يكابد فيه الشعب من أجل الحصول على أدنى قدر من المياه النظيفة، يستثمر قادة العسكريين في حساباتهم البنكية، ويغامرون بمستقبل البلاد لصالح صادرات تكميلية تُدر عليهم أرباحًا فاحشة، على حساب أمن الجزائر المائي.
وفي سياق متصل، حذرت الصحيفة الإلكترونية “ألجيريا تايمز” من تنامي أزمة المياه، مشيرةً إلى أن سوء التدبير الذي تقوده عصابة الجنرالات هو السبب الرئيسي في تفاقم الأزمة، وليس فقط العوامل المناخية كما تروج السلطات الرسمية. وأكدت الصحيفة أن العصابة العسكرية تضحّي بأمن البلاد المائي من أجل استثمار الأراضي الشاسعة التي منحتها لهم، مع تواطؤ من قبل فرنسا، التي تستثمر بشكل كبير في زراعات تصديرية تتمثل في منتجات كمالية، كالثمار والخضروات، في ولاية الواد، بعد أن استولوا على أراضٍ واسعة وثروات طبيعية هائلة.
ووفقًا للتقرير، فإن إعلام الصرف الصحي عن عمد يتجاهل حقيقة الأزمة، حيث يظل يتغاضى عن اتساع رقعة الضياع المائي، ويكتفي بنشر أرقام جزئية لا تعكس الحجم الحقيقي للاستنزاف والتدهور. وبذلك، يصبح المواطن الذي يعيش على حافة الفقر ضحية لسياسات فلاحية فاشلة تركز على التصدير، على حساب حياته اليومية ومستقبله الصحي، خاصة مع تفشي الأمراض الجلدية الناتجة عن تلوث المياه وانعدام النظافة.
وفي ظل هذه التهديدات، تؤكد الصحيفة أن السلطات تتهرب من مسؤوليتها عبر الاعتماد على بيانات قديمة وتقارير مغلوطة، تتجاهل فيها التراجع المستمر لموارد المياه، لخلق صورة وردية، بينما الواقع مرعب. ويبدو جليًا أن تواطؤ المؤسسات الإعلامية الموالية للنظام يفضح حجم التواطؤ، حيث تتناول الأزمة بسياسة رد الفعل والاستناد إلى الرواية الرسمية، متجاهلةً المعاناة الحقيقية للمواطنين وواقع التدهور البيئي والصحي الذي يعيشه الشعب.
على الرغم من تصاعد أصوات التحذير، فإن الحكومة والنظام العسكري لا يبديان نية حقيقية لمعالجة الأزمة المائية، مكتفية بالتصريحات الرنانة والتقارير التي تُحفَّر لها من أجل إخفاء الحقيقة. فمخططات إعادة تأهيل السدود وتحسين إدارة الموارد المائية تتراجع أمام رغبة النظام في الحفاظ على مصالحه الاقتصادية والسياسية، على حساب حياة ملايين الجزائريين، الذين يزداد عددهم في ظروف معيشية صعبة، تزداد سوءًا بفعل تدهور وضعية المياه.
أما على مستوى الحلول، فالأمر يحتاج إلى إصلاح شامل وجذري، يبدأ بإيقاف تصدير المياه على شكل منتجات زراعة غير ضرورية، وإعادة هيكلة السياسات الفلاحية بما يكفل الحفاظ على الموارد المائية، يعتمد على تقنيات الزراعة المستدامة، ويعتمد أولًا على إعادة توزيع الموارد بشكل عادل وشفاف، مع وضع استراتيجيات واقعية لمحاربة التهديدات الصحية الناجمة عن تلوث المياه.
وبدلاً من ذلك، يظل النظام منشغلًا بتقديم تبريرات غير مقنعة، في حين أن الواقع المرير يعكس فشلًا ذريعا في إدارة الثروة المائية، ويكشف عن غطرسة الطبقة الحاكمة وتغاضيها عن مصالح الشعب فوق مصالح الشركات الكبرى والمتنفذين الذين يجنون الأرباح على حساب معاناة المواطنين.
تفاقم الأزمة المائية يترجم إلى انتشار العديد من الأمراض، خاصة تلك الناتجة عن تلوث المياه وتراكم الأزبال والنفايات، التي تنتشر بشكل مخيف في الأحياء والشوارع. وأصبح من الملحوظ ارتفاع معدلات الأمراض الجلدية والتهابات الجهاز التنفسي، ناهيك عن انتشار الأوبئة التي تهدد حياة المواطنين الفقراء، حيث يعيش الكثير منهم في ظروف صحية صعبة، دون أن تتوفر لديهم وسائل حماية ملائمة.
وفي خضمّ هذه المآسي، يُطرح سؤال هام: هل ستتحرك الضمائر والمسؤولين لوضع حد لهذا النزيف المائي، أم أن الأمر سيمرّ دون حساب، كما جرت العادة، ليظل المواطن يعاني في صمت، بينما يواصل قادة العصابة سياستهم التدميرية التي تهدد حاضر ومستقبل الجزائر؟
إن الموضوع لا يقتصر فقط على مسؤولية النظام العسكري، وإنما يتحمل المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية والإعلام مسؤولية كبيرة في فضح التملص من المسؤولية، وتحفيز الحكومات والشعب على التحرك لمواجهة هذه الأزمة الخطيرة. فالماء هو حياة الإنسان، وهو حق لا يُنَازع، ويتطلب من جميع الفاعلين بذل الجهود من أجل وضع خطة استراتيجية، تخرج الجزائر من نفق العجز المائي، وتعيد إلى الشعب حقه في بيئة نظيفة ومستدامة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأبرز: إلى متى ستظل الجزائر تنزف من ثرواتها المائية، وأين الحلول التي ستحفظ للأجيال القادمة حق الحياة الكريمة في بلد غني بثرواته الطبيعية، والذي يعاني اليوم من خسائر فادحة في ما هو أثمن ثروة على الإطلاق—الماء؟










