انتشرت وسائل التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة بشكل كبير، وأصبحت الوسيلة الأبرز التي فرضت سيطرتها على جميع المجتمعات، وغدا مستخدموها يتجاوزون المليارات، وأصبحت وسيلة شديدة التأثير في المجتمعات والأسر؛ وذلك لأنها أصبحت تستخدم أساليب جذب لا حصر لها ما يجعلها سلاحا ذا حدين، فمن شأنها زيادة ثقافة المرء وحثه على العديد من القيم الإيجابية ولكنها على النقيض أسهمت بشكل كبير في فرض كثير من السلوكيات.
الآثارُ السلبيّةُ لوسائِلِ التواصُلِ الاجتماعِيِّ على الأسرةِ
أثرت وسائل التواصل في كل جوانب الحياة الإنسانية وخاصة الجانب الأُسري، فقضت على كثير من القِيَم، وأحدثت تغييرات أسهمت في زعزعة علاقات الفرد بأسرته وعلاقات الأُسر ببعضها.
ارتفاع نسبة الطلاق بسبب وسائل التواصل:
كشفت إحصاءات اجتماعية خلال السنوات العشر الماضية ارتفاع حالات الطلاق والخلافات الزوجية أمام محاكم الأسرة، وأوضح قانونيون أنّ أسباب عديدة تقف وراء تفاقم مشكلات الطلاق والخلافات الاجتماعية في مقدمتها مواقع التواصل، التي تسببت في فضح خصوصيات الحياة الزوجية، ونشرت كثيرًا من المشكلات بين طرفي العلاقة الزوجية بدوافع الانتقام أو التشفي أو التشهير أو الإيذاء، كلُّ هذا كان سببًا في الطلاق وكثرته.
ويأتي موقع «فيسبوك» في صدارة المواقع كافَّةً، ويعد السبب الأول المسؤول عن ارتفاع نسب الطلاق العالمية، وتشير الإحصائيات إلى أن 20% من حالات سببها المباشر هو «فيسبوك»، وفي المرتبة الثانية يأتي تطبيق «واتساب»، وأفادت الدراسات بأن معدلات الطلاق بين الأزواج تزايدت بسبب مواقع التواصل الاجتماعي في 45 دولة في الفترة ما بين 2010 و2023م.

ضعفُ العلاقاتِ الأسريّةِ، والعزلة النسبية للأسرة:
أصبحت الأسرة تشهد ضعفًا وتصدُّعًا في تركيبتها، وأصبح الطابع الفردي هو السائد بين أفرادها وانخفض مستوى التفاعل بين أفراد الأسرة، وزادت العلاقة سوءًا بين الزوجين وبين الأبناء والآباء؛ وذلك بسبب الجلوس أمام هذه الوسائل ناهيك عما تبثه تلك الوسائل من أفكار هدامة تنعكس سلبًا على سلوك الفرد، وهذا ما وصل إليه حال الأسر التي انغمست بشدة في استخدام تلك الوسائل والنبي صلى الله عليه وسلم: يقول: )) كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ.)
التباعدُ بين الزوجين وقلة مناقشة الأمور الأسرية:
أصبحت السمة السائدة بين الأزواج داخل الأسرة هو انشغال كل منهم بجهازه الخاص، وأدى ذلك إلى حدوث فجوة كبيرة بين الزوجين، فكل منهما مشغول بعالمه الخاص ، الذي لا يجد فيه وقتا لمناقشة المشكلات الخاصة بالأسرة والأبناء؛ وهو ما أدى إلى حدوث تفكك أسري وعدم دراية كل منهما بما يهدد الأسرة من أخطار لعدم وجود الوقت الكافي لمناقشتها وحلها.
القضاء على صلة الأرحام والزيارات بين الأقارب:
من الآثار السلبية على الأسرة ضعف التواصل الشخصي والاكتفاء بالمحادثات، وإهمال صلة الأرحام المباشرة التي شُرعت للمواساة والاطمئنان على أفراد الأسرة والنظر في أحوالهم، ويحسب المرء نفسه وصَّالًا لرحمه برسالات يرسلها، فنتيجة هذه الوسائل تدنت الزيارات وتراجعت حتى فيالمناسبات والأعياد الدينية.
وهناك عادات ووسائل أكثر ودًّا للتهنئة نفقدها تدريجيًّا بسبب وسائل التواصل، كانت التهنئة تستلزم في الماضي زيارات لا بديل عنها بين الأهل، ثم تحولت إلى اتصالات أقل ودًّا وتخفي بسماتنا على الوجوه، ثم هيمنت رسائل الهاتف المحمول التي تظهر معها رسومات مصطنعة لوجوه كرتونية، ثم رسائل تهنئة مجمعة لكل الأصدقاء تخلو من الاهتمام بشخص المرسل إليه.
ظهور مصطلح ما يسمى “أرامل الإنترنت”:
ظهرت فئة من النساء تُسَمَّى (أرامل الإنترنت) فَإِدمان أحد الزوجين للإنترنت وافتتانه بمواقع الرذيلة يضرب الثقة الزوجية في مقتل، ويغير طبيعة التفكير والإحساس، ولا يُبقِي للمؤثرات العادية بين الزوجين أي قوة تُذكر، فالرَّجل المفتون بالمواقع الإباحية يزهد في زوجته وتقلّ لحظات الاجتماع الأُسرية، ويتلاشى التناصح فتصبح المرأة كالمطلقة أو الأرملة؛ ومن هنا جاءت هذه التسمية .
ازدياد الخيانات الزوجية:
إن الخيانة الزوجية أصبحت في يومنا هذا سهلة جدًّا باستخدام مواقع التواصل الاجتماعي ، وبناء علاقات مشبوهة مع أشخاص خارج النطاق العائلي، وهذا السلوك يطوّر حالة انفصال سَلِسة غير واعية عن الأسرة، وقد يصل الأمر إلى حدّ ممارسة الفاحشة أو مقدماتها(.
اختراق خصوصية العلاقات
يُعد اختراق خصوصية العلاقات سواء بين الأسرة أو الأهل أو الأصدقاء واحدة من أبرز سلبيات وسائل التواصل الاجتماعي، فقد يلجأ أحد أفراد الأسرة بنشر الكثير من المعلومات الشخصية والروتين اليومي للأسرة أو الرحلات أو الأنشطة التي يتشاركها أفراد الأسرة معًا، ما قد يُعرّض أفراد الأسرة للخطر كعمليات السرقة أو الخطف وغيرها، لذلك يجب الحفاظ على خصوصية العلاقات سواء بين الأسرة أو الأصدقاء وعدم مشاركة الكثير من المعلومات الشخصية أو أماكن السفر..

تفكك الأسرة:
أحاطت مواقع التواصل أفراد الأسرة بجدران العزلة، فانفرد كل منهم بنفسه منكبًّا على حاسوبه يتصفح شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية، أو غارقًا في الحوارات مع أصدقاء أو أناس مجهولين، يقيم معهم علاقات مختلفة، بعضها جاد ومفيد، وبعضها لأغراض التسلية وغيرها .
تقريب البعيد وتبعيد القريب:
في بعض الحالات نجد أن وسائل التواصل الحديثة قرّبت البعيد مكانيًّا وأبعدت المتقاربين؛ فأصبحت تنتزع الشخص من أسرته وأهله وأولاده.
التأثير على العادات والتقاليد واكتساب مفاهيم مختلفة عن الحياة
يتأثر الكثير من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي ببعض العادات والتقاليد الخاصة بالغرب والتي لا تتماشى مع عادات وتقاليد المجتمع ، ويكون المراهقون والأطفال هم الأكثر عُرضة لذلك نظرًا لعدم امتلاكهم مفاهيم وقواعد ومبادئ واضحة في الحياة بعد، لذلك يشعرون بتشتت كبير عند انجذابهم لتلك العادات والثقافات المختلفة والتي لا تُشبه مجتمعاتهم ما يؤثر على شكل علاقتهم بأسرهم بشكل سلبي ويتسبب في حدوث العديد من المشاكل.
نشر الانحلال الأخلاقي في الأسرة:

تعد وسائل التواصل الاجتماعي مدخلًا لنشر الفساد والانحلال الأخلاقي في الأسرة؛ وذلك لأنها عبارة عن مجتمع مفتوح، فيه جميع الثقافات ومن بينها ما يتعلق بترويج ثقافة الانحلال والفساد، وهي مكان مناسب لنشر التطرف أيضًا.
ضعف المستوى الدراسي:
أدى الإدمان على مواقع التواصل الاجتماعي إلى تراجع مستوى التحصيل الدراسي لدى الأبناء بسبب التخلي عن المطالعة والاستذكار.
إهمال كبار السن في الأسرة:
أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي بشكل ملحوظ في انشغال بعض الناس عن الآخرين في حضورهم خاصة كبار السن، فأصبح بعض كبار السن يشعر بالعزلة عن أقاربه لانشغالهم عنه أثناء زيارتهم له بدلًا من الحديث معه والاهتمام به.
فتور العلاقة الزوجية:
كم من بيت كان سعيدًا مليئًا بالدفء والحنان دمرته وسائل التواصل، وخلقت فيه نوعًا من الشك والمشكلات وعدم الاهتمام بالبيت وإهمال شؤون المنزل والأسرة، فالزوج يجلس بجانب زوجته دون أن يعيرها أي اهتمام، وكلا الزوجين يتعامل مع وسائل التواصل ويسهر بالساعات يتحدث ويتعامل مع عالمه الخاصِّ دون اكتراث بالآخر .
كَثرة الأمراضِ الجسديّة:

تُسبب المبالغة في متابعة وسائل التواصل الحديثة آلامًا في الرأس والعيون والرقبة والكَتِف والظهر والركبة والقَدَم وغير ذلك من الأعراض، كَما أنَّها تؤدِّي إلى آثار نفسية سيئة بسبب التعرُّض للموجات الكهرومغناطيسية التي تؤدِّي إلى القلق والاكتئاب.
اصطناع الشخصية الوهمية الكاذبة:
يضع اسمًا غير اسمه وصورًا غير صوره على حائطه الفايسبوكي ، لأغراضٍ عدَّة منها التلاعب والدخول في قصص حب مع الجنس الآخر، والاختلاس أو ممارسة أعمال غير شرعية عبر الإنترنت بدون اكتشاف الآخرين ذلك.
وسائل التواصل الاجتماعي لها العديد من المميزات والسلبيات، وهذا يتوقف على كيفية استخدامها ووقت استخدامها، لذلك يجب التقنين من استعمالها من قبل الكبار والصغار حتى لا تتحول إلى إدمان يؤثر تأثيرًا سلبيًا على جميع العلاقات الاجتماعية والأسرية والعمل.يتبع









