مستجدات

مؤرخ فرنسي: الصحراء مغربية منذ القرن الحادي عشر وشرعية النظام الجزائري قائمة على تاريخ مزيف

طاقم ALLNEWS21 مايو 2025
مؤرخ فرنسي: الصحراء مغربية منذ القرن الحادي عشر وشرعية النظام الجزائري قائمة على تاريخ مزيف

أشعل المؤرخ والأستاذ الجامعي الفرنسي، بيرنارد لوغان، جدلاً واسعاً بإصداره كتاباً جديداً يحمل عنوان “تاريخ الجزائر“، يعيد فيه النظر في عدد من “المسلمات” التاريخية التي تتبناها الجزائر، ويطرح روايات مغايرة قد تثير ردود فعل قوية في كل من الجزائر وفرنسا.

الكتاب، الذي صدر حديثاً، لا يكتفي بإثارة الجدل حول أصول الدولة الجزائرية وحدودها، بل يذهب إلى حد التشكيك في وحدة أراضيها كما يرسمها التاريخ الرسمي، ويعيد فتح ملف المناطق الغربية التي ضمها الاستعمار الفرنسي من المغرب إلى الجزائر، مثل بشار وتندوف وتيديكلت.

في حوار مثير مع صحيفة Le Journal du Dimanche، عقب صدور الكتاب، تناول لوغان قضايا شائكة، من بينها الصراع الدبلوماسي المتصاعد بين باريس والجزائر حول ملف ترحيل المواطنين الجزائريين من فرنسا، واعتقال الكاتب الجزائري-الفرنسي بوعلام صنصال بسبب آرائه التي اعتبرت “مخالفة للعقيدة التاريخية الرسمية” في الجزائر.

دعم “الرد المتدرج” على الجزائر

أبدى المؤرخ الفرنسي تأييده لموقف وزير الدولة الفرنسي المكلف بالداخلية، برونو روتايو، الداعي إلى اعتماد سياسة “الرد المتدرج” تجاه الجزائر، إذا ما واصلت رفضها استعادة مواطنيها المعنيين بقرارات الترحيل. واعتبر لوغان أن الجزائر في “حالة حرب معلنة ضد فرنسا منذ عام 1962″، مشيراً إلى أن هذا الصراع لا يزال يتغذى من الخطاب السياسي والرمزي، مثل كلمات النشيد الوطني الجزائري.

وأضاف أن روتايو “يخوض معركة على جبهتين: ضد الجزائر من جهة، وضد لوبيات يسارية داخل فرنسا لا تزال تدافع عن الرواية الجزائرية الرسمية“.

 

“تاريخ مفبرك” وأسطورة وطنية

يرى لوغان أن أزمة العلاقات الجزائرية الفرنسية لا يمكن فهمها بمعزل عن التاريخ، الذي يصفه بأنه “المفتاح الحقيقي لفهم كل شيء في الجزائر”. ويستحضر في هذا السياق مقولة المؤرخ الجزائري وبحسب لوغان، فإن الجزائر “لم تكن دولة قائمة قبل عام 1962″، ما يعمق “عقدة النقص الوجودية” لدى نخبتها الحاكمة. ويذهب إلى أن “النظام الجزائري صنع رواية تاريخية تمجيدية، زائفة، صارت الأساس لشرعيته”، وهي رواية تجعل من فرنسا “السبب الجذري لكل مشاكل الجزائر“.

بوعلام صنصال… بين الحقيقة والسجن

يعتبر لوغان أن الكاتب بوعلام صنصال سُجن لأنه تجرأ على كسر “الطابو التاريخي”، حين تحدث عن التبعية التاريخية للمناطق الغربية من الجزائر للسيادة المغربية، قبل أن تقوم فرنسا بضمها إلى كيان جديد هو “الجزائر الفرنسية“.

ويعتبر لوغان أن ما زاد من تفاقم وضع صنصال، هو أنه حديث عن أنه خلال حرب التحرير، مستحضرا أن قادة الجزائر الذين كانوا يحظون بالدعم الدبلوماسي والمالي والعسكري من المغرب، التزموا بأنه بمجرد حصولهم على الاستقلال، ستتم إعادة الأراضي التي اقتطعتها فرنسا إلى المملكة، لكن، بعد 1962، لم تكتف الجزائر بعدم الوفاء بوعدها فحسب، بل شنت أيضًا “حرب الرمال” ضد المغرب عام 1963على هذا الأساس اعتبر . المؤرخ الفرنسي أن  الصحراء مغربية منذ القرن الحادي عشر وشرعية النظام الجزائري قائمة على تاريخ مزيف  بالكامل.

بهذا الكتاب، يعيد بيرنارد لوغان فتح ملفات تاريخية شائكة لطالما تجنبت باريس الخوض فيها، ليجد نفسه في قلب معركة سياسية وثقافية تتجاوز حدود البحث الأكاديمي، وتصل إلى جوهر العلاقات بين دولتين ما زالتا ترزحان تحت ثقل الماضي.

التاريخ سلاح في الصراع الدبلوماسي

يرى بيرنارد لوغان أن الجزائر توظف التاريخ كسلاح في معركتها الدبلوماسية مع فرنسا، معتبراً أن الخلاف لا يقتصر على أحداث الماضي، بل يمتد إلى الحاضر والمستقبل. ويُحمِّل النظام الجزائري مسؤولية “إبقاء العلاقات رهينة لذاكرة انتقائية”، تستند إلى “رواية رسمية مشبعة بالعداء لفرنسا”، بحسب تعبيره.

ويضيف أن هذه الرواية لا تقبل أي مراجعة أو تساؤل، حيث تعتبر نفسها المرجعية الوحيدة لفهم تاريخ الجزائر. لذلك، فإن أي رأي يخالفها يُعد تعدياً على “العقيدة الوطنية”، وهو ما يُفسر، حسب لوغان، حملات التخوين والمحاكمات التي تطال المفكرين والكتاب الذين يتجرؤون على تقديم روايات مغايرة، مثل بوعلام صنصال.

الجزائر والمغرب… جذور النزاع

في كتابه، يولي لوغان اهتماماً خاصاً للعلاقات المغربية الجزائرية، ويعتبر أن أزمة الصحراء المغربية مرتبطة بشكل مباشر بتاريخ الجزائر الحديث. ويؤكد أن الدعم المغربي لحرب التحرير الجزائرية لم يُقابل بالعرفان، بل بـ”نكث الوعود”، وأن فرنسا، خلال الحقبة الاستعمارية، فصلت أراضٍ مغربية وضمّتها إلى ما سيصبح لاحقاً الجزائر المستقلة.

هذه المعطيات، وفقاً للمؤرخ الفرنسي، تضع الجزائر في “مأزق أخلاقي وتاريخي”، يجعلها تلجأ إلى خطاب قومي صارم لحماية شرعيتها، حتى وإن كان ذلك على حساب الحقيقة التاريخية أو المصالحة مع الجيران.

نحو قراءة نقدية للتاريخ

يدعو لوغان إلى تحرير التاريخ من هيمنة السياسيين والمؤسسات الرسمية، مشدداً على ضرورة إعطاء الكلمة للمؤرخين والباحثين المستقلين، بما يتيح فهماً أعمق وأقل انفعالية لماضي المنطقة. ويؤكد أن كتابه لا يستهدف الجزائر كبلد أو شعب، بل يسعى إلى مساءلة الخطاب السياسي الذي يُوظف التاريخ لخدمة الحاضر والمستقبل بطريقة “إيديولوجية ومصلحية“.

ويقول: “كتبت هذا الكتاب لأننا في فرنسا لم نعد قادرين على قول الحقيقة التاريخية، ولأن العلاقة مع الجزائر يجب أن تُبنى على الوضوح لا على المجاملات الزائفة“.

ردود فعل متوقعة

من المرتقب أن يثير كتاب “تاريخ الجزائر” عاصفة من الردود في الأوساط الأكاديمية والإعلامية والسياسية، خاصة في الجزائر التي ترى في هذه الطروحات محاولة لإعادة كتابة تاريخها الوطني بمنظور استعماري. وفي فرنسا، سيجد الكتاب دعماً في بعض الدوائر، لكنه سيواجه أيضاً انتقادات من اليسار وأوساط المدافعين عن “التوبة التاريخية” إزاء حقبة الاستعمار.

بين طيات كتاب بيرنارد لوغان، لا تكمن مجرد دراسة تاريخية، بل طرح سياسي عميق يحمل رسالة إلى صناع القرار في باريس والجزائر: لا يمكن بناء علاقات مستقرة دون مواجهة صريحة مع الماضي، ودون مراجعة الروايات الرسمية التي تحولت إلى جدران تفصل بين الشعبين، بدل أن تكون جسوراً لفهم مشترك.

وبينما لا يزال الجدل في بدايته، يبدو أن “تاريخ الجزائر” كما يقدمه لوغان، لن يكون مجرد كتاب… بل شرارة قد تعيد إشعال ملفات أرادها البعض أن تظل مطوية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة