في كل عام، يصادف الثاني عشر من يونيو اليوم العالمي لمحاربة تشغيل واستغلال الأطفال، وهو موعد تستحضره الدول والمجتمعات لتقييم ما تحقق في سبيل القضاء على واحدة من أكثر الظواهر انتهاكًا لحقوق الطفولة. وفي المغرب، تتنامى التعبئة الرسمية والمدنية لمواجهة هذه الآفة الاجتماعية والاقتصادية التي تُهدد مستقبل الأجيال الناشئة.
على الرغم من الجهود المبذولة خلال العقود الماضية، ما زال تشغيل و استغلال الأطفال حاضرًا في بعض المناطق المغربية، خاصة في الوسط القروي، وفي القطاعات غير المهيكلة مثل الزراعة والحرف المهنية والخدمة المنزلية. وتشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن الآلاف من الأطفال دون سن الخامسة عشرة ما زالوا منخرطين في سوق الشغل، في ظروف غالبًا ما تكون غير ملائمة وتعرضهم للاستغلال والخطر.
غير أن هذه الأرقام تشهد تراجعًا تدريجيًا بفضل السياسات الاجتماعية والتربوية التي تبنتها الدولة، لاسيما توسيع برامج الدعم المدرسي، وتوفير التحويلات المالية المشروطة للأسر المعوزة، مثل برنامج “تيسير”، الذي ساهم في تقليص الهدر المدرسي، أحد أبرز المغذيات لظاهرة تشغيل الأطفال.

أطلقت الحكومة المغربية خلال السنوات الأخيرة عدة برامج وسياسات لمحاربة استغلال و تشغيل الأطفال، منها مخطط العمل الوطني من أجل الطفولة، وتعزيز أدوار مفتشي الشغل في تتبع هذه الحالات، إلى جانب التنسيق مع السلطات المحلية والمنظمات غير الحكومية.
في هذا السياق، تؤدي الجمعيات المدنية دورًا محوريًا، سواء في تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال العاملين، أو في توعية الأسر وتحسيس الرأي العام بمخاطر الظاهرة. كما ساهمت حملات إعلامية وتربوية في تفكيك الخطاب التقليدي الذي يبرر تشغيل الأطفال بدافع الحاجة أو “الاعتماد المبكر على النفس“.
رغم التقدم الملحوظ، لا تزال محاربة تشغيل الأطفال في المغرب تواجه تحديات بنيوية، ترتبط أساسًا بالفقر، والبطالة، والأمية، وضعف البنية التحتية التعليمية في بعض المناطق النائية. كما يعوق القطاع غير المهيكل جهود التتبع والمراقبة القانونية، ما يفرض مزيدًا من التنسيق بين مختلف المتدخلين وتعزيز أدوات الردع والعقاب للمشغلين المخالفين.
في هذا اليوم العالمي، تتجدد الدعوة لتكثيف الجهود وتعبئة كافة الطاقات للوفاء بالتزامات المغرب الدولية، لا سيما تلك المنصوص عليها في اتفاقية حقوق الطفل واتفاقيات منظمة العمل الدولية. فالقضاء على تشغيل الأطفال ليس فقط مسؤولية أخلاقية، بل رهان استراتيجي لبناء مجتمع متوازن، يضع الطفولة في صلب مشروعه التنموي.
فالمعركة ضد تشغيل الأطفال ليست مجرد شعار سنوي، بل مسار طويل يتطلب إرادة سياسية حازمة، ووعيًا مجتمعيًا متجذرًا، وضمانات اجتماعية تُغني الأسر عن دفع أطفالها نحو عوالم العمل قبل الأوان.
في أحد الأحياء الشعبية بمدينة فاس، التقينا بـ”هشام”، طفل في الثانية عشرة من عمره، يعمل مساعدًا في ورشة للنجارة منذ أكثر من عامين. يقول هشام: “كنت أذهب إلى المدرسة، لكن والدي مريض ولا يستطيع العمل، اضطررت لمغادرتها لمساعدة أسرتي”. هذه الشهادة، على بساطتها، تختزل مأساة مئات الأطفال الذين يُنتزعون من مقاعد الدراسة ليقعوا تحت رحمة ظروف عمل صعبة وغير قانونية.
أما فاطمة، وهي فاعلة جمعوية ، فتؤكد أن “الكثير من الأسر في المناطق الهشة لا ترى في تمدرس الأطفال أولوية، بل تعتبر تشغيلهم وسيلة للبقاء. لذا نحن نعمل على تغيير هذا التصور عبر الحملات التحسيسية، وتسهيل الربط بين الأسر والبرامج الاجتماعية المتاحة“.
يعد التعليم حجر الزاوية في الوقاية من تشغيل الأطفال. لذلك، تراهن وزارة التربية الوطنية على تحسين جودة المدرسة العمومية، وتوفير الدعم الاجتماعي للتلاميذ، خاصة في العالم القروي، حيث يتضاعف الهدر المدرسي وتضعف فرص المتابعة الدراسية.
كما يُنتظر من وسائل الإعلام الوطنية أن تلعب دورًا أقوى في تسليط الضوء على الظاهرة، لا من زاوية الأرقام فقط، بل من خلال القصص الإنسانية والتقارير الميدانية التي تعكس حجم المعاناة، وتعيد الاعتبار لحق الأطفال في اللعب والتعلم والنمو في بيئة سليمة.
ينص القانون المغربي على منع تشغيل الأطفال دون سن 15 سنة، ويحدد شروطًا صارمة لتشغيل القاصرين فوق هذا السن. ومع ذلك، ما زالت حالات عديدة تمرّ دون عقاب، إما لغياب التبليغ أو لضعف المراقبة. لذلك، يدعو الحقوقيون إلى تقوية آليات الزجر ضد المخالفين، ووضع قاعدة بيانات وطنية ترصد وتتبع الأطفال المعنيين.
من جهة أخرى، يُطرح تساؤل حول إدماج الأطفال العاملين في منظومة التعليم من جديد، وهي عملية معقدة تتطلب ليس فقط العودة إلى الفصول، بل مواكبة نفسية واجتماعية طويلة الأمد.
إن محاربة تشغيل الأطفال ليست مسؤولية جهة واحدة، بل تستلزم انخراطًا جماعيًا: من الدولة بمؤسساتها، إلى المجتمع المدني، مرورًا بالأسرة والمدرسة والإعلام. وتبقى الرسالة واضحة: لا تنمية بدون كرامة، ولا كرامة لطفل يُزجّ به في الورشات والمزارع والأسواق بدل أن يُمنح فرصة الحلم والتعلم.
ففي هذا اليوم العالمي لمحاربة تشغيل الأطفال، يجدد المغرب التزامه بالمضي نحو مغرب بدون أطفال عاملين، مغرب يُنصت لصوت الطفولة ويؤمن أن مكان الطفل الطبيعي هو المدرسة، لا سوق الشغل.











