بقلم: هاشــم الخياطــي
في لحظة كان يُفترض أن تسودها الأجواء الروحية والفرح الأسري بمناسبة عيد الأضحى المبارك، وجد عشرات الآلاف من المغاربة المقيمين في الجزائر أنفسهم ضحايا لقرار سياسي مفاجئ حوّل يوم العيد إلى مأساة إنسانية.
ففي يوم 18 ديسمبر 1975، الموافق ليوم عيد الأضحى، أقدمت السلطات الجزائرية على تنفيذ عملية طرد جماعي استهدفت أكثر من 45 ألف عائلة مغربية، في واحدة من أكثر لحظات التوتر الدبلوماسي درامية بين الرباط والجزائر.
■ قرار بطعم الانتقام السياسي
جاء هذا القرار بعد أسابيع قليلة فقط من تنظيم المغرب لـ”المسيرة الخضراء”، التي استهدفت استرجاع الأقاليم الصحراوية من الاستعمار الإسباني، وهو ما لم ترق نتائجه للسلطات الجزائرية التي كانت تدعم جبهة البوليساريو في مسعاها لإقامة دولة مستقلة في الصحراء.
وفي خطوة فسّرها المراقبون آنذاك بأنها رد انتقامي، أطلقت الجزائر حملة ترحيل واسعة ضد الجالية المغربية المقيمة فوق أراضيها، رغم أن الكثير منهم عاشوا هناك لعقود، بل وُلد بعضهم في الجزائر ولم يعرف وطناً غيرها.
■ مأساة إنسانية بلا سابق إنذار
شهادات مؤلمة توثق كيف أُجبر المغاربة على مغادرة منازلهم تحت التهديد، دون أن يُسمح لهم حتى بجمع أغراضهم أو توديع جيرانهم. قطارات ممتلئة، أطفال يبكون، نساء في حالة ذهول، رجال عاجزون عن الفهم أو المقاومة… هكذا وصف كثير ممن عاشوا التهجير القسري ذاك اليوم. البعض انفصل عن عائلته، والآخرون ضاعوا بين الحدود، في حين توفي بعض المرضى والمسنين أثناء عملية الترحيل.

■ جرح لم يندمل بعد
ورغم مرور خمسين سنة تقريباً على هذه الحادثة، فإن ذاكرة التهجير لا تزال حية في نفوس آلاف المغاربة الذين ذاقوا مرارة الطرد، وخصوصاً وأنهم لم يتلقوا إلى اليوم أي اعتراف رسمي أو تعويض عن الأضرار النفسية والمادية التي لحقت بهم.
وقد دعت منظمات حقوقية محلية ودولية إلى فتح ملف “طرد المغاربة من الجزائر” على طاولة العدالة التاريخية، مطالبة بتوثيق ما جرى، وتقديم اعتذار رسمي، بل وفتح تحقيق حول الانتهاكات التي صاحبت عمليات الترحيل القسري.
■ بين السياسة والإنسانية
تُعد هذه الحادثة مثالاً صارخاً على كيف يمكن للسياسة أن تسحق تحت أقدامها إنسانية الأبرياء، وتحول الأعياد إلى مآسي. وإذا كانت العلاقات الدبلوماسية تتغير بتغير الحكومات، فإن الجراح التي خلفها طرد الآلاف من بيوتهم لا تمحى بسهولة، خاصة عندما يكون العيد موعداً للبكاء بدل الفرح.
ويظل سؤال العدالة والمصالحة مفتوحاً، بانتظار من يتجرأ على مواجهة التاريخ بصدق.








