الدكتور الجامعي أبو الشتاء
في ظل الجدل المتواصل حول حدود حرية التعبير والمسؤولية الصحفية، تتصاعد الأصوات المطالِبة بإعادة النظر في كيفية التعامل القضائي مع القضايا المرتبطة بالممارسة الإعلامية بالمغرب. فالمبدأ الراسخ في أي نظام ديمقراطي يقتضي احترام التخصص القانوني، وترسيخ حرية الصحافة كأحد أعمدة الشفافية والمساءلة.
ورغم وجود مدونة الصحافة والنشر كإطار قانوني متكامل لمعالجة التجاوزات المهنية، ما تزال بعض القضايا تُحال إلى المحاكم الجنائية، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول مدى انسجام ذلك مع روح الدستور. وفي هذا الصدد، يرى أحد الوزراء السابقين أن قبول المسؤول السياسي باعتذار الصحفي في حال ثبوت خطأ أو عدم دقة في النشر، يجب أن يُعد بمثابة “وثيقة براءة” تنهي الخلاف وتغلق الملفات، مؤكداً أن المجتمعات الديمقراطية تُبنى على الإنصاف لا على الانتقام.
وتنص المادة 72 من مدونة الصحافة والنشر على تجريم نشر الأخبار الزائفة أو الادعاءات الكاذبة بسوء نية، مع إحالة واضحة على مواد أخرى (81، 82، 84، 85) تضبط بدقة معالجة قضايا القذف والمس بالسمعة، في توازن بين الحق في الإعلام وحماية كرامة الأفراد.
ويرى المدافعون عن هذا الطرح أن حصر قضايا النشر في القانون الجنائي يتعارض مع التوجهات الحقوقية للمملكة، ويضعف الثقة في الصحافة كمؤسسة رقابية تساهم في يقظة الفاعل السياسي واحترامه للقانون. بالمقابل، فإن معالجة التجاوزات في إطار مدونة الصحافة يوفر حماية لسمعة الأفراد دون التضييق على حرية التعبير.
الخلاصة أن ترسيخ متابعة الصحفيين ضمن الإطار المهني المخصص لهم، لا الجنائي، يشكل ضمانة لاحترام خصوصية المهنة، ويعكس اعترافاً بدورها الحيوي في بناء مجتمع ديمقراطي قادر على التمييز بين النشر بحسن نية والنشر بسوء نية، في انسجام مع روح الدستور ومبادئ العدالة.
إن ترسيخ هذا التوجه يتطلب إرادة سياسية واضحة، وتنسيقاً فعالاً بين السلطتين التشريعية والقضائية، إضافة إلى انخراط فعلي للمجتمع المدني والهيئات المهنية للصحافة. فالمسألة لا تتعلق فقط بنصوص قانونية جامدة، بل بثقافة مجتمعية تقوم على الإيمان بأن حرية التعبير ليست امتيازاً يمنح، بل حقاً دستورياً يكفله القانون، وأن النقد البناء هو أداة إصلاح وليس أداة تصفية حسابات.
كما أن تفعيل هذا الإطار القانوني المتخصص يستلزم تكويناً مستمراً للقضاة ووكلاء النيابة العامة في مجال قانون الصحافة والنشر، حتى يتم التعامل مع القضايا الإعلامية بحساسية خاصة تراعي طبيعة المهنة ودورها في مراقبة السلطة ونقل الحقيقة.
إلى جانب ذلك، فإن تعزيز ثقافة الاعتذار والتصحيح في الوسط الصحفي، واعتمادها كآلية لحل النزاعات، يمكن أن يسهم في تقليص اللجوء إلى المحاكم، ويعيد بناء جسور الثقة بين الصحافة والمسؤولين والجمهور.
وبذلك، يصبح الإطار القانوني لمدونة الصحافة والنشر ليس مجرد وسيلة للضبط، بل أداة لحماية حرية الإعلام، وضمان توازن حقيقي بين الحق في المعلومة وحماية الحياة الخاصة، بما يعزز مكانة المغرب كبلد يحترم الحريات ويدعم مسار الديمقراطية.









