مستجدات

من دفاتر الماضي …تجوع البطون ولا تجوع العقول

طاقم ALLNEWS29 أكتوبر 2025
من دفاتر الماضي …تجوع البطون ولا تجوع العقول

في زقاق ضيّق  مهمول من أحياء المدينة القديمة، حيث تختلط رائحة الخبز بالعرق، ووجوه الناس تحمل ملامح الكفاح، كان يعيش أحمد، طفل في الثانية عشرة من عمره، صغير الجسد لكن بعينين تلمعان كحلم لا يعرف الاستسلام.

كان والده عاملًا بسيطًا أقعده المرض، وأمه تخيط للناس بثيابٍ تملؤها الإبر أكثر من النقود. كانت الحياة ثقيلة، لكن أحمد حملها بخفة قلبٍ يعرف أن للغد طعمًا مختلفًا.

كل صباح، قبل أن تستيقظ الشمس تمامًا، كان يخرج حاملاً صندوق مسح الأحذية ملفوفًا في كيس بلاستيكي حتى لا يثير الشفقة أو السؤال. يقف عند زاوية الشارع، يهمس بخجل:

“هل ترغب أن أمسح حذاءك؟“

عملتان أو ثلاث… تكفيه ليشتري كراسًا أو قطعة خبز، ثم يركض نحو المدرسة قبل أن يدق الجرس. يدخل الصف متعبًا، ثيابه مغبرة ويداه متسختان، لكن عينيه تلمعان كما لو أنه رأى مستقبله ينتظره عند نهاية الدرس.

وحين يسأله أحد زملائه:
– “
أما زلت تدرس بعد كل هذا التعب؟”
يبتسم أحمد ابتسامة هادئة ويقول:

“البطن إن جاعت يومًا، تشبع غدًا، لكن إن جاع العقل ضاع العمر كله.”

كانت دفاتره خليطًا من أوراق قديمة، كتب عليها بخط متعرج أحلامه الصغيرة. وفي الليل، حين ينام الجميع، كان يجلس قرب مصباح خافت، يذاكر بصمت كمن يزرع في العتمة أملًا يضيء المستقبل.

“تجوع البطون ولا تجوع العقول”، كان يرددها كدعاء.

ومضت السنوات، كبر أحمد بين الألم والعلم، بين الشقاء والإصرار، حتى صار من المتفوقين في مدرسته، ثم من الأوائل في جامعته. لم ينسَ تلك الأرصفة التي صقلت إرادته، ولا تلك الأحذية التي كانت مرآته الأولى في الحياة.

وحين أصبح طبيبًا معروفًا، أطلق عليه الناس مازحين لقب “طبيب الأحذية“، لكنه كان يبتسم بفخر، لأنهم لا يعلمون أن كل حذاء مسحه كان خطوةً في طريق أحلامه.

هاجر بعدها إلى بلادٍ بعيدة، يحمل معه صندوقًا من الذكريات، وعبارة واحدة لا تفارقه:

“قد تجوع البطون… لكن العقول لا تعرف الجوع.”

 

الاخبار العاجلة