مستجدات

على الرئيس الجزائري أن يعلم: قمع حرية الصحافة هو الطريقة التي يبدأ بها أي ديكتاتور عمله

طاقم ALLNEWS10 فبراير 2026
على الرئيس الجزائري أن يعلم: قمع حرية الصحافة هو الطريقة التي يبدأ بها أي ديكتاتور عمله

هاشــم الخياطــي

لا تبدأ الديكتاتوريات عادةً بالدبابات في الشوارع ولا بإلغاء الدساتير دفعة واحدة، بل بخطوة تبدو “إجرائية” أو “أمنية”: تكميم الصحافة. فحين تُخنق الكلمة الحرة، يُفتح الباب واسعًا أمام الاستبداد، ويُغلق في وجه المجتمع آخر منافذ الرقابة والمساءلة. ومن هنا، يصبح قمع حرية الصحافة المؤشر الأوضح على انحراف السلطة عن المسار الديمقراطي.

إن الصحافة الحرة ليست ترفًا سياسيًا ولا امتيازًا تمنحه السلطة متى شاءت وتسحبه متى أرادت، بل هي الركيزة الأولى للحفاظ على الديمقراطية وحماية التعددية. فهي العين التي تراقب، والصوت الذي يسائل، والذاكرة التي تمنع تزوير الوقائع. وعندما تُستهدف الصحافة، فإن المستهدف الحقيقي ليس الصحافيين وحدهم، بل حق المجتمع بأسره في المعرفة.

التاريخ السياسي القريب والبعيد يعلّمنا أن أول ما يخشاه المستبد هو السؤال، وأول ما يحاربه هو الخبر غير الموجَّه. لذلك تُلاحق الأقلام، وتُغلق المنابر، وتُلفَّق التهم، ويُراد للإعلام أن يتحول إلى بوق دعاية لا إلى سلطة رابعة. عند هذه النقطة، تبدأ الحريات في التفكك قطعةً قطعة: تُقيد حرية التعبير، ثم تتآكل حرية التنظيم، ويُضيَّق على المجتمع المدني، وصولًا إلى إفراغ الحقوق المدنية من مضمونها.

إن تحذير العالم من خطورة المساس بحرية الصحافة ليس موقفًا أيديولوجيًا ولا تدخلًا في الشؤون الداخلية، بل دفاع عن قاعدة كونية مفادها أن الديمقراطية لا تعيش في الظلام. فالدول التي تحترم نفسها ومواطنيها تحتمل النقد، وتعتبر الصحافة شريكًا في الإصلاح لا عدوًا يجب كسره.

وكمثال حي وقع مؤخرا ، هو أن قرارات صادرة عن الجهات الرسمية أثارت في الجزائر موجة غضب واستياء واسع، بعدما جرى التلويح بتوقيف ومتابعة كل من وثق الفيضانات الأخيرة ونشر صورها أو مقاطعها على المنصات الرقمية، في خطوة رآها متابعون امتدادا لسياسة التضييق على الحريات العامة.وبينما كان المنتظر توجيه الجهود نحو إنقاذ المتضررين وحصر الخسائر والبحث في أسباب هشاشة البنيات التحتية، غير أن السلطات الجزائرية اختارت التعامل مع الكاميرا باعتبارها خطرا، واعتبرت نقل المشاهد من قلب المناطق المنكوبة فعلا يعاقب عليه القانون، وهو ما وصفه حقوقيون بمحاولة الهروب من الواقع بدل مواجهته.

وعلى القيادة الجزائرية أن تدرك أن الشرعية الحقيقية لا تُبنى بالصمت المفروض ولا بالخوف المُدار، بل بالثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع. هذه الثقة لا تنمو إلا في مناخ حر، تُصان فيه الكلمة، ويُحمى فيه الصحافي، ويُحترم فيه حق الاختلاف. أما الرهان على القمع، فمهما بدا ناجعًا على المدى القصير، فإنه لا ينتج سوى عزلة داخلية وخارجية، ويُراكم الأزمات بدل حلها.

إن فقدان حرية الصحافة ليس حدثًا عابرًا، بل بداية مسار خطر يقود إلى تفكيك الحريات والحقوق المدنية تدريجيًا. ومن يغلق نافذة الحقيقة اليوم، سيجد نفسه غدًا محاصرًا برياح الغضب وفقدان الثقة. تلك هي سنّة السياسة، وذلك هو الدرس الذي لقّنته الشعوب لكل من ظن أن الحكم يبدأ بإسكات الأصوات.

ويخطئ من يعتقد أن التحكم في الإعلام يضمن الاستقرار. وخير دليل على ذلك هو الأزمة القائمة بين الجزائر وفرنسا التي تطالب  بالإفراج عن الصحفي كريستوف غليز المعتقل بالجزائر،  فالاستقرار الحقيقي لا يُصنع بالقمع، بل بالشفافية والمحاسبة. حين تُمنع الصحافة من أداء دورها، تنتقل الحقيقة إلى الشائعات، ويحلّ الخبر المجهول محل المعلومة الموثوقة، فتتآكل ثقة المواطن في مؤسسات دولته، ويصبح الفراغ الإعلامي أرضًا خصبة للتطرف والاحتقان الاجتماعي.

إن التجارب المقارنة في المنطقة تؤكد أن الدول التي ضيّقت على الصحافة انتهت إلى أزمات سياسية عميقة، لأن السلطة حين تعزل نفسها عن النقد تعجز عن تصحيح أخطائها. فالإعلام الحر لا يفضح فقط، بل ينبه ويقترح ويكشف مكامن الخلل قبل أن تتحول إلى انفجارات يصعب التحكم فيها. لذلك، فإن حماية الصحافة هي في جوهرها حماية للدولة نفسها، لا تهديدًا لها.

وفي الحالة الجزائرية، يزداد هذا النقاش إلحاحًا في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة، حيث يصبح المجتمع في أمسّ الحاجة إلى إعلام مهني ومسؤول ينقل انشغالات المواطنين ويضعها أمام صانع القرار بلا تزييف ولا خوف. أما ملاحقة الصحافيين أو التضييق على المنابر المستقلة، فلا يمكن قراءته إلا كرسالة سلبية تعكس ضيقًا بالرأي المخالف، وتغذّي الانطباع بأن المجال العام يُدار بمنطق أمني لا بمنطق سياسي.

وعلى الرئيس الجزائري أن يعلم أن التاريخ لا يرحم من اختار إسكات الأقلام بدل فتح قنوات الحوار. فالقوة التي لا تُوازنها الحرية تتحول سريعًا إلى عبء، والسلطة التي لا تسمع إلا صوتها تفقد تدريجيًا القدرة على الحكم. إن الصحافة الحرة ليست خصمًا للرئيس ولا للدولة، بل صمّام أمان يمنع الانزلاق نحو حكم الفرد والرأي الواحد.

في النهاية، تبقى الحقيقة بسيطة وواضحة: كلما ضاقت مساحة الحرية، اتسعت مساحة الخوف، وكلما كُمِّمت الأفواه، اقتربت السلطة خطوة أخرى من الديكتاتورية. أما الطريق إلى دولة قوية وعادلة، فلا يمر إلا عبر احترام الصحافة، وصون حرية التعبير، والإيمان بأن الديمقراطية تبدأ دائمًا من الكلمة الحرة.

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة