هاشــم الخياطــي
في مشهد يكشف حجم التناقضات التي طبعت الدبلوماسية الجزائرية خلال السنوات الأخيرة، أعلنت الجزائر عودتها صاغرة إلى تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار مع إسبانيا، بعد قطيعة سياسية واقتصادية لم تحقق سوى مزيد من العزلة وفقدان المصداقية. خطوةٌ جاءت متأخرة، لكنها تحمل في طياتها اعترافاً صريحاً بفشل سياسة الضغط التي راهن عليها قصر المرادية لإجبار مدريد على التراجع عن موقفها من قضية الصحراء المغربية.
القرار الذي تزامن مع استقبال الرئيس عبد المجيد تبون لوزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، يعكس تحولاً “براغماتياً” مفاجئاً، بعد أن كانت الجزائر قد وضعت شروطاً مشددة في يونيو 2022، وهددت باستخدام سلاح الغاز والعقوبات الاقتصادية. غير أن الواقع أثبت أن هذه الأوراق لم تكن سوى أدوات محدودة التأثير، سرعان ما استنفدت قدرتها أمام صلابة التحالفات الإقليمية وتوازنات المصالح الدولية.
المفارقة الصارخة أن مدريد لم تقدم أي تنازل سياسي يُذكر مقابل هذا “الانفراج”. بل على العكس، واصلت حكومة بيدرو سانشيز تمسكها بموقفها الداعم لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وهو الموقف الذي شكل أساس الأزمة منذ بدايتها. ورغم ذلك، اختارت الجزائر التراجع دون مقابل، مكتفية بإعلان “مرحلة جديدة” من التعاون، في تجاهل واضح لكل الخطاب التصعيدي الذي غذّى الرأي العام الداخلي لسنوات.
الأكثر دلالة أن وزير الخارجية الإسباني، وخلال زيارته للجزائر، تجنب الخوض في ملف الصحراء بشكل كامل، مكتفياً بالحديث عن الشراكة الاقتصادية والطاقية. وهو ما يعكس بوضوح أن هذا الملف لم يعد ورقة ضغط فعالة في يد الجزائر، بقدر ما أصبح عبئاً سياسياً يفرض عليها مراجعة حساباتها.
وتبدو هذه العودة أشبه بعودة إلى نقطة الصفر، بعد تجربة دبلوماسية اتسمت بالاندفاع والشعارات أكثر من الواقعية والحسابات الدقيقة. فبدل أن تحقق الجزائر مكاسب سياسية، وجدت نفسها مضطرة لإعادة العلاقات بشروط الطرف الآخر، في مشهد يلخص انتقالها من منطق “فرض الشروط” إلى منطق “تدبير الخسائر”.
هكذا، تُطوى صفحة من التوتر دون أن تغيّر شيئاً في موازين القوى أو في مواقف الفاعلين الدوليين، لتبقى الخلاصة الأبرز: الدبلوماسية التي تُبنى على ردود الفعل والانفعال، سرعان ما تنتهي باعترافات صامتة بالفشل.











