هاشــم الخياطــي
في المشهد الصحفي المغربي، قليلون هم الذين استطاعوا أن يحافظوا على حضورهم وتأثيرهم لعقود، دون أن يفقدوا بوصلة المهنة أو يتخلوا عن قناعاتهم أو ينزلقوا إلى صخب المواقف العابرة. ومن بين هؤلاء يبرز اسم عبد الله البقالي، مدير جريدة العلم، ونائب رئيس اتحاد الصحفيين العرب بالقاهرة ، وبرلماني سابق ، ورئيس سابق للنقابة الوطنية للصحافة ،وكان عضوا بالمجلس الوطني للصحافة خلال الولاية السابقة، حيث تولى رئاسة لجنة بطاقة الصحافة المهنية، ، باعتباره واحداً من الوجوه التي ارتبط اسمها بالصحافة المهنية، وبالدفاع عن استقلالية الكلمة، وبالحضور النقابي والسياسي الذي لم يكن منفصلاً عن انشغالات المجتمع وقضايا الديمقراطية والحريات.
السيد عبد الله البقالي
لقد راكم البقالي، على امتداد مسيرته، تجربة متعددة الأبعادبيصحفياً يكتب، ونقابياً يدافع عن قضايا المهنيين عندما كان رئيسا لنقابة الصحفيين لولايتين ، وسياسياً ينخرط في النقاش العمومي بصفة عضو اللجنة التنفيذية للحزب العتيد ، ومسؤولاً عن مؤسسة إعلامية عريقة تحمل اسماً له وزنه في تاريخ الصحافة المغربية. وهي مسيرة لا يمكن اختزالها في المناصب التي تحملها أو المواقع التي شغلها، بقدر ما تقاس بما خلفته من مواقف وكتابات وتراكم مهني ونقابي وسياسي.
تتميز التجربة الصحفية لعبد الله البقالي بحضور واضح لفكرة أساسية: أن الصحافة ليست مجرد نقل للأخبار، وإنما مسؤولية تجاه القارئ والمجتمع والدولة والمؤسسات.
ومن خلال كتاباته ومقالاته، ظل حريصاً على بناء موقف صحفي يقوم على التحليل والنقاش وتفكيك الأحداث، بعيداً عن الإثارة المجانية التي أصبحت تغري جزء من الإعلام في زمن السرعة ومواقع التواصل الاجتماعي. فقد كان، في كثير من كتاباته، يفضل التمهل في قراءة الوقائع، وربط الأحداث بسياقاتها السياسية والاجتماعية، وتقديم رؤية تستند إلى خلفية معرفية وتجربة طويلة في العمل الصحفي.
وهذا النوع من الكتابة الصحفية يكتسب أهميته في زمن أصبحت فيه المعلومة متاحة للجميع، لكن القدرة على تفسيرها ووضعها في سياقها أصبحت أكثر ندرة.
فالقيمة الحقيقية للصحفي لا تكمن فقط في الوصول إلى الخبر قبل الآخرين، وإنما في امتلاك القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة، والتمييز بين الخبر والرأي، وبين النقد والتشهير، وبين المعارضة المسؤولة والمواقف الانفعالية.
ومن هذه الزاوية، شكلت تجربة البقالي نموذجاً للصحفي الذي ينظر إلى المقال باعتباره مساحة للتفكير، لا مجرد منصة لتسجيل المواقف.
العلم.. مسؤولية مؤسسة وتاريخ
ارتبط اسم عبد الله البقالي بشكل وثيق بجريدة العلم الغراء، وهي واحدة من أبرز العناوين في تاريخ الصحافة المغربية.

وتولي مسؤولية إدارة جريدة بتاريخ العلم ليست مهمة عادية، لأن الأمر يتعلق بمؤسسة إعلامية لها ذاكرة سياسية وصحفية طويلة، وارتبطت لعقود بالنقاش الوطني وبعدد من التحولات التي عرفها المغرب.
ومن هنا، فإن حضور البقالي على رأس الجريدة يمكن قراءته باعتباره استمراراً لتقليد صحفي يقوم على الدفاع عن حضور الصحافة الوطنية في الحياة العامة، وعلى الحفاظ على موقع الجريدة باعتبارها فضاءً للنقاش السياسي والفكري.
وقد فرضت التحولات التي عرفها قطاع الإعلام تحديات غير مسبوقة أمام الصحافة المكتوبة، من تراجع التوزيع الورقي إلى المنافسة الشديدة التي فرضها الإعلام الرقمي، مروراً بتغير عادات القراءة وصعود شبكات التواصل الاجتماعي.
وفي مواجهة هذه التحولات، أصبحت مهمة مدير الصحيفة تتجاوز تحرير الصفحات والإشراف على هيئة التحرير، لتشمل الدفاع عن استمرارية المؤسسة الإعلامية، والحفاظ على هويتها، والتوفيق بين إرثها التاريخي ومتطلبات العصر الرقمي.
نقابي حمل قضايا الصحفيين إلى الواجهة
إلى جانب الصحافة، شكل العمل النقابي محطة أساسية في مسيرة عبد الله البقالي.
فالنقابة، في تجربته، لم تكن مجرد موقع تنظيمي، وإنما كانت امتداداً طبيعياً لمعركة الدفاع عن المهنة وعن كرامة الصحفيين وعن شروط ممارسة العمل الصحفي.

وفي هذا السياق، برز حضوره كرئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية، حيث ارتبط اسمه لسنوات بالنقاش حول واقع الصحافة، وأوضاع الصحفيين، والحريات المهنية، والتحديات التي تواجه الإعلام المغربي.
والنضال النقابي على رأس قطاع الصحافة ليس مهمة سهلة، لأن الصحفي يوجد دائماً في قلب معادلة دقيقة بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية، وبين حقه في ممارسة مهنته وضرورة احترام القواعد القانونية والأخلاقية التي تؤطرها.مما جعله يحظى بثقة أغلب الصحافيين دال الوطن وخارجه .
وقد جعل البقالي من الدفاع عن الصحفيين وقضاياهم جزءاً من حضوره العام، مؤمناً بأن صحافة قوية لا يمكن أن تقوم على صحفي ضعيف الحقوق أو هش الوضع المهني.
السياسة.. وجه آخر للحضور العمومي
أما المسار السياسي، فقد أضاف إلى تجربة البقالي بعداً آخر، وجعل حضوره يتجاوز حدود المهنة الصحفية إلى فضاء المشاركة في الحياة العامة.
وانتماؤه إلى حزب الاستقلال، أحد أقدم الأحزاب السياسية المغربية، وضعه في قلب النقاش السياسي والحزبي، حيث تداخلت تجربته الصحفية مع اهتمامه بالشأن العام.
حزب الاستقلال
وهنا تظهر إحدى السمات اللافتة في تجربته: عدم الفصل الكامل بين الصحفي والمواطن المنخرط في قضايا بلاده، مع الحفاظ على مساحة للصحافة باعتبارها مهنة لها قواعدها ومسؤولياتها.
فالصحفي الذي ينخرط في السياسة ويكون مسؤولا سياسيا بانضمامه إلى اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال يواجه تحدياً مضاعفاً: كيف يحافظ على استقلالية المهنة، وفي الوقت نفسه يمارس حقه كمواطن وفاعل سياسي مرموق ؟
وهي إشكالية ظلت حاضرة في تاريخ الصحافة والسياسة بالمغرب وفي مختلف التجارب الديمقراطية، وتحتاج دائماً إلى قدر كبير من الوعي والوضوح الأخلاقي والمهني.
نضالات لا تختزل في الشعارات
من الصعب الحديث عن مسيرة عبد الله البقالي دون التوقف عند مفهوم النضال الذي ظل حاضراً في تجربته الثلاثية .
لكن النضال في المجال الصحفي لا يعني فقط رفع الشعارات أو إصدار البيانات، وإنما يعني أيضاً الاستمرار في الكتابة، والدفاع عن المهنة، ومواجهة الضغوط، والوجود في النقاش العمومي، والقدرة على الاختلاف دون تحويل الخلاف إلى خصومة شخصية، وهنا تجدر الإشارة إلى أن متابعات قضائية تعرض لها الرجل وكان الحق بجانبه .

وهذه ربما إحدى أهم الإضافات التي يمكن تسجيلها في تجربة البقالي؛ التي لم يعرها أي اهتمام ولم تأثر على مساره المهني أو السياسي أو النضالي ، بل ضل صامدا في مواقفه والاشتغال على الملفات ذات البعد النقابي والسياسي والاجتماعي .حاملا رسالة الدفاع عن المهنة الصحفية وهو التزام أخلاقي ومهني أساسي يهدف إلى الحماية الحقيقة لحرية التعبير ونقل الحقيقة بموضوعية مدافعا عن الوطن وثوابت الأمة .
ففي كثير من كتاباته، كان النقد موجهاً إلى السياسات والاختيارات والقرارات، وليس هدفه الأساسي صناعة الخصومات أو البحث عن الإثارة. وهذه مسألة بالغة الأهمية في زمن أصبح فيه الإعلام الرقمي يدفع أحياناً نحو الشخصنة والتجاذب والانفعال.
صحافة متزنة في زمن الاستقطاب
ما يميز الكتابة الصحفية المتزنة أنها لا تتخلى عن المواقف، لكنها لا تسمح للموقف بأن يلغي الحقيقة.
وهذه قاعدة مهمة يمكن استحضارها عند قراءة التجربة الصحفية لعبد الله البقالي.
فالصحفي المهني ليس مطالباً بأن يكون بلا رأي، وإنما مطالب بأن يكون واضحاً في الفصل بين الخبر والتحليل، وبين المعلومة والموقف، وبين النقد والتحريض.
وفي زمن أصبحت فيه الأخبار الكاذبة تنتشر بسرعة تفوق أحياناً سرعة الأخبار الصحيحة، أصبحت الحاجة إلى صحافة رصينة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
ومن هنا تأتي أهمية التجارب التي تراهن على المقال التحليلي وعلى الحجة وعلى بناء الموقف، بدلاً من تحويل الصحافة إلى مجرد سباق للحصول على أكبر عدد من المشاهدات والتفاعلات.
البقالي.. مدرسة في الاستمرارية
ولعل أهم ما يميز مسيرة عبد الله البقالي هو الاستمرارية.
فالاستمرارية في الصحافة ليست أمراً بسيطاً. إنها تعني أن يظل الصحفي قادراً على مواكبة التحولات، وأن يعيد اكتشاف أدواته، وأن يتعامل مع أجيال جديدة من القراء والصحفيين، وأن يظل حاضراً في النقاش العام رغم تغير الوسائط والأدوات.
لقد انتقلت الصحافة من زمن الجريدة الورقية وحدها إلى عصر المواقع الإلكترونية والهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، لكن الحاجة إلى الصحفي المهني لم تتغير.
بل ربما أصبحت أكبر.
لأن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة كثرة المعرفة، وكثرة الآراء لا تعني بالضرورة جودة النقاش.
وهنا تكمن قيمة الصحفي الذي راكم تجربة طويلة، ويدرك أن المهنة ليست سرعة في النشر فقط، وإنما قدرة على الفهم والتدقيق والتحليل وتحمل مسؤولية الكلمة.
بين الصحافة والنقابة والسياسة.. مسار متكامل
قد تبدو الصحافة والنقابة والسياسة مجالات مختلفة، لكنها في تجربة البقالي شكلت مسارات متقاطعة يجمعها مفهوم واحد: الانخراط في الشأن العام والدفاع عن الوطن ورموزه وله في هذا الجانب مقالات وتحليلات وندوات ومقابلات تلفزيونية شاهدة على ذلك .
فمن خلال الصحافة، مارس دوره في إنتاج الأفكار وطرح الأسئلة.
ومن خلال النقابة، دافع عن قضايا الصحفيين والمهنة.
ومن خلال السياسة، انخرط في العمل المؤسساتي والحزبي والنقاش الوطني.
وهذه الأدوار المتعددة جعلت تجربته غنية ومثيرة للاهتمام، لأنها تعكس نموذجاً من الفاعل العمومي الذي لا يكتفي بمراقبة الأحداث من بعيد، وإنما يسعى إلى التأثير فيها والمساهمة في تشكيل النقاش حولها.
الرجل الذي اختار الكلمة بدل الضجيج
في زمن أصبحت فيه بعض المنابر تتنافس على العناوين الصادمة، وتبحث عن الإثارة أكثر مما تبحث عن الحقيقة، تبدو تجربة البقالي الذي يصر على الكلمة الهادئة أكثر أهمية.
فليس كل موقف قوي يحتاج إلى لغة صاخبة، وليس كل نقد مؤثر يحتاج إلى عبارات جارحة.
أحياناً يكون المقال الأكثر تأثيراً هو ذلك الذي يضع السؤال أمام القارئ، ويترك له مساحة للتفكير.
وهذا ما يمكن أن يجعل من الكتابة الصحفية المتزنة إرثاً مهنياً حقيقياً؛ لأنها لا تنتهي بانتهاء المقال، وإنما تستمر في النقاش الذي تفتحه.
ومن هذه الزاوية، فإن تجربة البقالي تستحق أن تُقرأ بعيداً عن الحسابات الظرفية، وأن ينظر إليها باعتبارها تجربة إنسانية ومهنية وسياسية طويلة، فيها ما لها وما عليها، لكنها قبل كل شيء تجربة حافلة بالحضور والعمل والنقاش والنضال.
تكريم مسيرة قبل أن يكون تكريماً لشخص
حصل السيد البقالي على جائزة التميز الإعلامي في مجال الإعلام البيئي ومحاربة الشائعات والاخبار المضللة وهي جائزة تنظمها جامعة الدول العربية .بالإضافة إلى تكريمات وجوائز أخرى لا يمكن حصرها في هذا المجال .
الإشادة بمسيرة عبد الله البقالي ليست مجرد احتفاء بشخصية صحفية، وإنما هي، في جانب منها، احتفاء بجيل من الصحفيين الذين جعلوا من المهنة جزءاً من معركة بناء المجتمع والدفاع عن المؤسسات والحريات.
وهي مناسبة أيضاً للتذكير بأن الصحافة المغربية راكمت تجارب وأسماء ومدارس مختلفة، وأن تاريخها لا يمكن اختزاله في الأخبار اليومية، بل يجب النظر إليه باعتباره جزءاً من تاريخ المغرب السياسي والاجتماعي والفكري.
ومن هذه الزاوية، فإن تجربة البقالي تستحق أن تُقرأ بعيداً عن الحسابات الظرفية، وأن ينظر إليها باعتبارها تجربة إنسانية ومهنية وسياسية طويلة، فيها ما لها وما عليها، لكنها قبل كل شيء تجربة حافلة بالحضور والعمل والنقاش والنضال.
الكلمة الأخيرة.. حين يصبح القلم جزءاً من الذاكرة الوطنية
بعد سنوات طويلة من العمل الصحفي والنقابي والسياسي، يظل عبد الله البقالي واحداً من الأسماء البارزة التي يصعب تجاوز حضورها عند الحديث عن الصحافة المغربية المعاصرة.
لقد عاش تحولات كبرى عرفها الإعلام والسياسة والمجتمع، وانتقل من زمن كانت فيه الجريدة الورقية تصنع جزءاً كبيراً من النقاش العمومي إلى زمن أصبحت فيه المعلومة متاحة في كل لحظة ومن كل مكان.
ومع ذلك، بقيت الفكرة الأساسية حاضرة: الكلمة مسؤولية، والصحافة موقف، والنضال المهني لا يقاس بعدد الشعارات وإنما بقدر الاستمرارية والالتزام والدفاع عن المبادئ ولعل ما يمنح مساره خصوصيته أن الرجل لم يظل أسير موقع واحد بل اقتحم عن جدارة الصحافة الرقمية وأنشأ صفحة إلكترونية سماها حديث البقالي ” BAKKALI TALK ” عبارة عن برامج تواصلية تحليلية نقدية جريئة على طريقة podcasts.
فالأجيال تتغير، والمنابر تتطور، والتكنولوجيا تعيد تشكيل الإعلام، لكن ما يبقى هو أثر القلم، وصدق الموقف، واحترام المهنة والأشخاص وهي أساسيات .لا يمكن أن يحيدعنها البقالي.
ومن هنا، فإن مسيرة عبد الله البقالي يمكن اختزالها في ثلاث كلمات: صحافة، نضال، واستمرارية؛ ثلاثية صنعت حضوراً في المشهد المغربي، وجعلت من تجربته واحدة من التجارب التي تستحق التوقف عندها، لا فقط باعتبارها سيرة رجل، وإنما باعتبارها جزءاً من ذاكرة الصحافة المغربية ومسارها الطويل نحو المهنية والاستقلالية والاضطلاع بدورها في المجتمع.








