مستجدات

الوعود الانتخابية.. من سيدفع الثمن؟

[TOUTES LES ACTUALITÉS]8 سبتمبر 2026
الوعود الانتخابية.. من سيدفع الثمن؟

هاشــم الخياطــي

عاد موسم الوعود الانتخابية ، وعادت معه الأرقام الكبيرة: زيادات في الأجور، ملايين مناصب الشغل، دعم الأسر، تحسين القدرة الشرائية، توسيع الحماية الاجتماعية، وإخراج المغاربة من الفقر والهشاشة.

كل شيء يبدو جميلاً يخرج من أفواه المرشحين . لكن الأفواه لا تدفع الأجور، ولا تمول البرامج، ولا تسدد الفواتير والضرائب ، والتمدرس.

السؤال الذي يجب أن يسبق التصفيق في حملة انتخابية دعائية  بسيط جداً: من سيدفع؟

في انتخابات سابقة، قيل للمغاربة إن مليون منصب شغل ستُخلق، وإن الحماية الاجتماعية ستتوسع، وإن البطالة ستتراجع، وإن القدرة الشرائية ستتحسن. واليوم تعود الوعود بوجه جديد، وصولاً إلى الحديث عن حد أدنى للأجر في حدود 5.000 درهم صافي.

من يرفض تحسين دخل المواطن؟ لا أحد.

الأجير يواجه كلفة معيشة ترتفع، والسكن يضغط، والغذاء يستنزف، والنقل والعلاج والتعليم تلتهم جزءاً كبيراً من الدخل طبعا إن كان هناك دحل . لذلك فإن تحسين الأجور ليس ترفاً سياسياً، بل مطلباً اجتماعياً مشروعاً.

لكن المشكلة ليست في ما نريد، بل في كيف سنصل إليه ومن سيدفع فاتورته.

رفع الأجر بقرار سياسي سهل. الأصعب هو ضمان أن تستطيع المقاولة دفعه دون أن تغلق أبوابها، أو تجمد التوظيف، أو تقلص الاستثمار، أو تنقل الكلفة إلى المستهلك.

المقاولة ليست ماكينة أموال.

وراء كل راتب أجير، هناك ضرائب واشتراكات وطاقة وكراء وتمويل ومواد أولية ونقل ومراقبة والتزامات إدارية. وإذا أضيفت إليها تكاليف جديدة دون رفع الإنتاجية والنمو، فإن الحساب سيظهر في مكان آخر.

قد يكون في فاتورة الأسعار.

وقد يكون في فرص الشغل.

وقد يكون في الاستثمار.

وقد يكون في مقاولة صغيرة لم تعد قادرة على الاستمرارويكون مصيرها الإغلاق وطرد العمال.

وهنا تقع المفارقة الكبرى: قد ترفع الأجر وتخفض القدرة الشرائية في الوقت نفسه.

فالراتب الذي ينتقل من 3.500 إلى 5.000 درهم لا يعني بالضرورة أن المواطن أصبح أغنى. إذا ارتفعت الأسعار بالسرعة نفسها، فسيكتشف أن جزءاً من الزيادة عاد إلى السوق قبل أن يصل إلى جيبه.

لهذا، فإن بيع الأوهام الاقتصادية في الحملات الانتخابية أخطر من مجرد مبالغة خطابية. إنه يخلق توقعات اجتماعية كبيرة، بينما تظل آليات التمويل والتنفيذ غامضة.

لا يكفي أن تقول الأحزاب: سنرفع الأجور.

قولوا لنا كيف.

لا يكفي أن تقول: سنخلق مليون منصب شغل.

قولوا لنا أين، وبأي استثمارات، وفي أي آجال.

لا يكفي أن تقول: سنحسن القدرة الشرائية.

قولوا لنا كيف ستواجهون غلاء السكن والغذاء والنقل والخدمات الصحية .

ولا يكفي أن ترفعوا سقف الإنفاق الاجتماعي.

قولوا لنا من أين ستأتي الأموال.

هذه ليست أسئلة معادية للحكومة أو المعارضة. إنها أسئلة الناخب الذي دفع ثمن وعود كثيرة ولم يعد يريد برنامجاً انتخابياً يشبه قائمة أمنيات.

المواطن لا يحتاج إلى حزب يعده بالجنة الاقتصادية، ثم يكتشف بعد الانتخابات أن الخزينة لا تكفي، وأن المقاولة لا تستطيع، وأن الأسعار لها حساب آخر.

نحن أمام معادلة لا تسمح بالمزايدات: أجير قوي يحتاج إلى مقاولة قوية، ومقاولة قوية تحتاج إلى اقتصاد قوي، واقتصاد قوي يحتاج إلى دولة تعرف حدود الإنفاق ومصادر التمويل.

المشكلة أن بعض الخطابات السياسية تتعامل مع المال وكأنه في جيبها ، ومع المقاولة وكأنها خزينة مفتوحة، ومع المواطن وكأنه لن يسأل غداً عن ثمن الوعود.

لكن المواطن سيسأل.

وسيسأل عن الأجر الذي لم يعد يكفي.

وعن الشغل الذي لم يصل.

وعن الأسعار التي سبقت الزيادات.

وعن البرامج التي تحولت بعد الانتخابات إلى أعذار وتبريرات.

الانتخابات يوم واحد، أما الفاتورة الاقتصادية فقد تمتد لسنوات.

لهذا، يجب أن يتغير السؤال الانتخابي من ماذا ستعطوننا؟إلى كيف ستفعلون ذلك؟

كم سيكلف الوعد؟

من سيموله؟

متى سينفذ؟

ومن سيتحمل كلفته إذا فشل؟

ذلك هو الامتحان الحقيقي لأي حزب يريد أصوات المغاربة.

المواطن لا يحتاج إلى مزيد من الوعود المنمقة، بل إلى برامج تملك الجرأة على قول الحقيقة، حتى عندما تكون الحقيقة أقل شعبية من الشعار.

نريد أجوراً أفضل، نعم. نريد شغلاً أكثر، نعم. نريد حماية اجتماعية أقوى، نعم. لكننا نريد قبل كل ذلك اقتصاداً قادراً على دفع ثمن هذه الطموحات.

لأن أخطر وعد انتخابي ليس الوعد الذي لا يتحقق فقط، بل الوعد الذي يتحقق مؤقتاً ثم يدفع المواطن ثمنه لاحقاً من جيبه.

الانتخابات ليست مزاداً للوعود. إنها عقد مع المواطن. ومن يطلب صوته اليوم، عليه أن يملك الشجاعة ليشرح له فاتورة الغد.

 

الاخبار العاجلة