هاشــم الخياطــي
لم تعد ممارسة العمل الصحفي محصورة في صفحات الجرائد والمواقع الإخبارية أو داخل غرف التحرير التقليدية، بعدما فرضت الميديا الاجتماعية نفسها فضاءً مفتوحاً لصناعة الأخبار وتداولها والتعليق عليها. ومع هذا التحول، أصبح الصحفي أمام واقع مهني جديد تتداخل فيه الحدود بين الخاص والعام، وبين الصحفي والمؤسسة، وبين الخبر المهني والمعلومة المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي.
وفي هذا السياق، لم تعد حرية الصحفي في الفضاء الرقمي حرية مطلقة تتيح له نشر ما يشاء دون ضوابط مهنية وأخلاقية، لأن الصحفي يظل مرتبطاً بمؤسسته الإعلامية وبسمعتها، كما يظل مسؤولاً أمام المجتمع والجمهور عن مضمون ما ينشره، سواء صدر ذلك عبر الوسيلة الإعلامية التي يعمل بها أو عبر حساباته الشخصية على شبكات التواصل.
وقد دفعت هذه التحولات عدداً من المؤسسات والهيئات المهنية الدولية إلى مراجعة مواثيقها الأخلاقية لتتلاءم مع طبيعة الإعلام الجديد. ففي كندا، عملت الفيدرالية المهنية لصحافيي مقاطعة كيبيك على تطوير ميثاقها الأخلاقي بما يشمل قواعد خاصة باستخدام الميديا الاجتماعية، مؤكدة أن المبادئ المهنية التي تحكم الصحافة التقليدية تظل سارية في البيئة الرقمية أيضاً.
ويقوم هذا التصور على قاعدة بسيطة مفادها أن الصحفي لا ينبغي أن ينشر على حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي ما لا يمكنه نشره عبر مؤسسته الإعلامية. كما تبرز أهمية حماية المصادر، والتحقق من الأخبار قبل نشرها، واحترام الملكية الفكرية، ونسبة المعلومات إلى مصادرها، وعدم تحويل سرعة النشر إلى مبرر للتخلي عن قواعد الدقة والمصداقية.
وفي الولايات المتحدة، اتجهت المؤسسات الصحفية إلى وضع قواعد واضحة لاستخدام الصحفيين لوسائل التواصل الاجتماعي، انطلاقاً من مبدأ أن الأخلاقيات المهنية لا تتغير بمجرد تغير المنصة. فالخبر الذي يخضع للتحقق والتدقيق داخل غرفة الأخبار يجب أن يخضع للمبادئ نفسها عندما ينشر عبر منصة رقمية، كما أن الصحفي يتحمل مسؤولية ما يكتبه حتى عندما يستخدم حساباً شخصياً.
وتزداد صعوبة الفصل بين الحساب الشخصي والصفة المهنية للصحفي في زمن أصبحت فيه صفحات التواصل الاجتماعي جزءاً من الحضور العام للصحفي. فقد يكون الحساب شخصياً من الناحية التقنية، لكن ما ينشر فيه قد يصل إلى آلاف أو ملايين المتابعين، وقد يُربط تلقائياً باسم المؤسسة التي يعمل بها صاحبه، وهو ما يجعل المسؤولية المهنية والأخلاقية حاضرة حتى خارج ساعات العمل.
ولهذا تعاملت مؤسسات إعلامية كبرى، من بينها وكالة الصحافة الفرنسية ورويترز وبي بي سي، مع الميديا الاجتماعية باعتبارها أدوات مهنية يمكن للصحفي استخدامها للحصول على المعلومات ومتابعة الأحداث والتفاعل مع الجمهور، لكن ضمن قواعد تضمن عدم التضحية بالدقة والاستقلالية والمصداقية.
وتقدم تجربة وكالة الصحافة الفرنسية مثالاً على إمكانية الجمع بين الاستفادة المهنية من شبكات التواصل وبين احترام القواعد التحريرية. فهذه المنصات يمكن أن تكون مصدراً للمعطيات والأفكار والخبر العاجل، لكنها لا تعفي الصحفي من مسؤولية التحقق قبل اعتماد المعلومة ونشرها.
وفي المقابل، أثبت انتشار الأخبار الزائفة والصور المفبركة والمعلومات المضللة أن المؤسسات الصحفية التقليدية أصبحت تؤدي وظيفة إضافية تتمثل في التحقق والتدقيق ومساعدة الجمهور على التمييز بين الخبر الصحيح والمحتوى المضلل. وقد برز هذا الدور بشكل واضح خلال الأزمات والأحداث الكبرى، حيث يمكن لمعلومة غير دقيقة أن تنتشر في دقائق وتؤثر في الرأي العام قبل أن تتاح فرصة التحقق منها.
وهنا تبرز أهمية الصحافة المهنية باعتبارها مؤسسة للتحقق، وليس مجرد ناقل سريع لما يجري تداوله على الإنترنت. فالمنافسة على السرعة لا ينبغي أن تتحول إلى منافسة على نشر الشائعات، كما أن السبق الصحفي لا يكتسب قيمته إلا إذا كان قائماً على معلومة صحيحة ومصدر واضح ومسؤولية تحريرية.
وفي الوقت نفسه، لم تعد الصحافة التقليدية تنظر إلى المواطن باعتباره مجرد متلقٍ للأخبار، بل أصبح شريكاً في إنتاج المحتوى. فقد أتاحت مؤسسات إعلامية عديدة منصات تسمح للمواطنين بإرسال الأخبار والصور والفيديوهات والتعليقات، وهو ما أدى إلى ظهور مفهوم صحافة المواطن باعتباره أحد مكونات المشهد الإعلامي الرقمي.
غير أن فتح المجال أمام المواطن للمشاركة في صناعة المحتوى يفرض بدوره قواعد واضحة، لأن الصورة أو الفيديو أو المعلومة التي يرسلها مواطن لا تصبح خبراً مهنياً بمجرد وصولها إلى غرفة الأخبار. فالتحقق من مصدرها وتاريخها ومكان تصويرها وسياقها يظل مسؤولية أساسية للمؤسسة التي تقرر نشرها.
ومن هنا تتشكل معادلة جديدة تقوم على التعاون بين الصحفي المحترف والمواطن المستخدم للتكنولوجيا، بحيث يستفيد الإعلام من سرعة وانتشار المنصات الرقمية، دون أن يتخلى عن معاييره المهنية. فالاحتراف والهواية يمكن أن يلتقيا في إنتاج محتوى إعلامي جيد، لكن هذا اللقاء يحتاج إلى قواعد تحمي الجمهور من التضليل وتحمي الصحفي والمؤسسة من الوقوع في أخطاء مهنية وأخلاقية.
إن التحدي الحقيقي أمام الإعلام الجديد لا يكمن في امتلاك أدوات النشر، بل في كيفية استخدامها بمسؤولية. فكل هاتف ذكي أصبح قادراً على إنتاج صورة أو فيديو أو تعليق يمكن أن يتحول خلال دقائق إلى مادة واسعة الانتشار، وهو ما يجعل التربية الإعلامية والأخلاق الرقمية مسؤولية مشتركة بين الصحفي والمؤسسة التعليمية والأسرة والمجتمع والمنصات الرقمية.
ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى تطوير مواثيق شرف تتلاءم مع بيئة الإعلام الرقمي، وتحدد بوضوح حقوق وواجبات العاملين في الصحافة الإلكترونية، خصوصاً في ظل اتساع عدد المنخرطين في صناعة المحتوى الإعلامي خارج الأطر المهنية التقليدية.
كما تحتاج المؤسسات الإعلامية نفسها إلى وضع قواعد داخلية واضحة تنظم استخدام العاملين فيها لوسائل التواصل الاجتماعي، وتحدد ما ينسجم مع الخط المهني للمؤسسة وما يتعارض معه، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الحقوق الأساسية للصحفي وعلى استقلاليته المهنية.
ولا تقل مسؤولية مؤسسات التعليم أهمية عن مسؤولية المؤسسات الإعلامية، إذ أصبح من الضروري أن تحظى أخلاقيات الإعلام والتربية على التعامل النقدي مع الأخبار والمعلومات بمكانة أكبر داخل كليات ومعاهد الإعلام، وأن تمتد الثقافة الإعلامية إلى مراحل التعليم المدرسي، لأن الأطفال والشباب أصبحوا مستخدمين للنشر والتصوير والتعليق قبل أن يصبحوا صحفيين أو إعلاميين.
في النهاية، لا يمكن بناء إعلام رقمي مهني بمجرد امتلاك التكنولوجيا أو سرعة الوصول إلى الجمهور. فالمهنة تحتاج إلى قواعد تضبط العلاقة بين الحرية والمسؤولية، وبين الحق في التعبير وحق الجمهور في الحصول على معلومات دقيقة، وبين السبق الصحفي وواجب التحقق.
وفي زمن الميديا الاجتماعية، لم تعد أخلاقيات الصحافة خياراً إضافياً يمكن تجاوزه، بل أصبحت شرطاً أساسياً لاستمرار الثقة بين الصحفي والمؤسسة والجمهور. وكلما اتسعت دائرة النشر، ازدادت الحاجة إلى صحافة تعرف أن قوة الكلمة لا تقاس فقط بسرعة انتشارها، وإنما أيضاً بمدى دقتها ونزاهتها ومسؤولية من يقف وراءها.









