هاشــم الخياطــي
لا يكاد يمر يوم في المغرب دون أن يتصدّر ملف الفساد واجهة النقاش العمومي، خصوصاً بعد سلسلة من الاعتقالات والأحكام التي طالت برلمانيين ورؤساء جماعات ومنتخبين ورجال سلطة بتهم تتعلق بالرشوة واستغلال النفوذ ونهب المال العام. ومع كل قضية جديدة، يتأكد أن الحديث عن الفساد لم يعد مجرد ترف سياسي أو خطاب شعبوي، بل تحول إلى حقيقة بنيوية تنخر جسد الدولة والمجتمع على حد سواء.
منذ توقيع المغرب على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد في 9 دجنبر 2003، ثم المصادقة عليها سنة 2007، ظن كثيرون أن البلاد دخلت منعطفاً حقيقياً لطي صفحة الفساد والإفلات من العقاب. خصوصاً مع إحداث هيأة الإنصاف والمصالحة سنة 2004 لتصفية إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ومع تضمين دستور 2011 هيآت دستورية جديدة كالمجلس الأعلى للحسابات، ومجلس المنافسة، وهيأة النزاهة والوقاية من الرشوة. غير أن حصيلة العقدين الأخيرين تكشف بوضوح أن المسافة بين النصوص الدستورية والواقع العملي لا تزال شاسعة.
تقرير منظمة الشفافية الدولية لعام 2023 جاء صادماً: المغرب حصل على 38 نقطة فقط من أصل 100 في مؤشر مدركات الفساد، محتلاً المرتبة 97 عالمياً، بعدما كان قد حصل على 43 نقطة في 2018. هذا التراجع يترجم فقدان الثقة في فعالية المؤسسات المفترض أن تقود الحرب على الفساد. أما الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة فقد قدّرت الكلفة الاقتصادية للفساد بحوالي 50 مليار درهم سنوياً، وهو رقم مهول يعكس نزيفاً دائماً يضعف الاقتصاد الوطني ويعمق الفوارق الاجتماعية.
الأكثر إثارة للقلق أن 23% من مسؤولي الشركات المغربية أقروا بتعرضهم لشكل من أشكال الفساد خلال سنة واحدة فقط، لكن 6% فقط بادروا إلى تقديم شكايات. الباقون فضّلوا الصمت بسبب انعدام الثقة في المساطر، أو خوفاً من الانتقام. هذه المعطيات تؤكد أن الإشكال لم يعد في كشف حالات الفساد، بل في غياب ضمانات حماية المبلّغين وضعف آليات الزجر والردع.
الفساد في المغرب لم يعد مجرد ممارسات فردية معزولة، بل أصبح منظومة متشابكة ذات جذور عميقة في البنية السياسية والإدارية. ولذلك، فإن أي مقاربة لإصلاح الوضع لا يمكن أن تقتصر على حملات موسمية أو شعارات ظرفية، بل تتطلب إرادة سياسية حقيقية تترجم إلى إجراءات صارمة: استقلالية القضاء، تفعيل المحاسبة، رفع الحصانة عن الفاسدين، حماية المبلغين، وربط المسؤولية بالمحاسبة بعيداً عن منطق الانتقائية.
إن استمرار هذا الوضع يفرغ الإصلاحات الدستورية والقوانين من محتواها، ويعمّق أزمة الثقة بين المواطن ومؤسساته. والنتيجة: إحباط عام، اقتصاد مهدور، وشرعية سياسية مهددة.
سؤال المستقبل: هل من إرادة حقيقية؟
بعد عقدين من الاتفاقيات والخطابات الإصلاحية، يظهر أن المغرب يقف أمام مفترق طرق حاسم. إما مواجهة الفساد بإجراءات عملية جريئة تشمل استقلالية القضاء وحماية المبلغين ورفع الحصانة عن الفاسدين، أو الاستسلام لاستمراره كقدر محتوم ينهك الاقتصاد ويمزق الثقة بين الدولة والمجتمع.
وفي الوقت الذي ينتظر فيه المواطن نتائج ملموسة، يظل السؤال مفتوحاً: هل يملك المغرب الشجاعة لقطع شرايين هذه المنظومة المتجذرة، أم أن الفساد سيظل العنوان العريض الذي يختزل قصة الإصلاح المؤجلة؟










