المدينة لم تعد تتحمل المزيد “آسي المزيد”
هاشم الخياطي
تشهد مدينة القنيطرة، في الآونة الأخيرة، تناميًا مقلقًا لظاهرة المشردين والمختلين عقليًا والمتسولين، بينهم شبان في ريعان الشباب، يجوبون شوارع وأزقة المدينة ليلًا ونهارًا، بحثًا عن الطعام في القمامات، أو متسببين في مضايقات للمارة، لا سيما النساء والفتيات، وحتى السياح والزوار الذين يصطدمون أحيانًا بسلوكيات تخدش الحياء العام وتثير الاستياء.
وبات من المألوف أن يصادف المواطن في كل ركن من أركان المدينة أشخاصًا يرتدون ملابس رثة، تنبعث منها روائح كريهة، يحملون قنينات كحول، ويتفوهون بألفاظ نابية، ويتصرفون بشكل استفزازي، يصل حد ملاحقة النساء بنظرات مقلقة أو اعتراض طريق المارة بشكل مفاجئ، ما يحدث فوضى في السير وارتباكًا في الشوارع والأزقة، خاصة تلك التي تعرف تجمعات لهؤلاء المرضى أو المتشردين.

غرفة نوم متشرد
ورغم أن أغلبهم لا يشكل خطرًا مباشرًا على المارة، فإن تصرفاتهم غير المتوقعة تبقى مصدر قلق دائم، حيث لا يتردد بعضهم في الرد بعدوانية على من يرفض منحه صدقة، وقد يتطور الأمر إلى الاعتداء اللفظي أو حتى رشق المارة بالحجارة، مما يعرض سلامة المواطنين والممتلكات للخطر.
وتعالت أصوات سكان القنيطرة مستنكرةً الصمت المطبق للجهات المختصة، والتي من المفروض أن تتكفل برعاية هذه الفئة الهشة وإيوائها. كما أثار المواطنون علامات استفهام حول الجهة التي تقف وراء ترحيل أعداد من المشردين إلى المدينة في ساعات متأخرة من الليل، مما زاد من تأزيم الوضع، وجعل القنيطرة مدينة مثقلة بهذه الظاهرة بشكل بات يتجاوز طاقتها الاستيعابية.
ورغم تدخلات متقطعة للسلطات المحلية، خاصة في فترات البرد القارس، من خلال نقل بعض المختلين عقليًا إلى مراكز الإيواء، إلا أن غياب خطة دائمة ومتكاملة يجعل تلك المبادرات محدودة الأثر.
ويبقى الأمل معقود على تحرك جاد من قبل الجهات الوصية، لتنسيق جهود المصالح المختصة وجمعيات المجتمع المدني، قصد إطلاق حملات ميدانية منتظمة للحد من هذه الظاهرة التي تُشوه صورة المدينة وتقلق راحة سكانها.فالمدينة لم تعد تتحمل المزيد “آسي المزيد”.
وفي ظل هذا الوضع الشاذ، تتنامى المخاوف من أن يتحول التعايش اليومي مع هذه الظاهرة إلى واقع طبيعي يعتاد عليه السكان، في غياب تدخل مؤسساتي مستدام يضمن حق هؤلاء في العلاج والرعاية من جهة، ويحمي أمن وكرامة المواطنين من جهة أخرى.
ويرى فاعلون جمعويون أن الحل لا يكمن فقط في الترحيل أو إيواء موسمي لبعض الحالات، بل في إحداث مراكز دائمة ومتخصصة في استقبال ورعاية المختلين عقليًا والمشردين، مع توفير فرق طبية ونفسية واجتماعية تُتابع أوضاعهم، وتسهم في إدماج القادرين منهم في المجتمع.
كما يطالب المتتبعون بضرورة فتح تحقيق جدي حول الجهات التي تساهم في تفريغ مدن أخرى من هذه الفئة، وتوجيهها نحو القنيطرة، معتبرين أن هذا النوع من “الترحيل السري” يمثل اعتداءً مزدوجًا: على كرامة هؤلاء الأشخاص أولًا، وعلى استقرار المدينة ثانيًا.
إلى ذلك، تبقى مدينة القنيطرة اليوم في مواجهة مفتوحة مع واقع اجتماعي مؤلم، عنوانه الأبرز “الإهمال”، في انتظار أن تفي المؤسسات المختصة بالتزاماتها، وتضع حدًا لتنامي ظاهرة المشردين والمختلين عقليًا التي باتت تؤرق سكان المدينة، وتسيء لصورتها كحاضرة حضرية في طور النمو.









