الدكتور الجامعي أبو الشتاء
في خضم مساعي المغرب نحو تعزيز استقلالية القضاء وتكريس سيادة القانون، تظل ظاهرة شهود الزور من بين الظواهر الخطيرة التي تعرقل العدالة وتنسف الثقة في المنظومة القضائية، وتُحوّل قاعات المحاكم في بعض الأحيان إلى ساحات تصفية حسابات، تُنطق فيها الأحكام بناءً على روايات مفبركة لا على حجج موثوقة.
يُوصف شهود الزور بأنهم “الخصوم الخفيون” في النزاعات المعروضة أمام القضاء، فهم لا يحملون سلاحًا ظاهرًا، لكنهم يقتلون الحقيقة بشهادة كاذبة، موجهة أو مدفوعة الثمن، تُدين بريئًا أو تُبرّئ مذنبًا، مقابل مكسب مادي أو انتقام شخصي. ومع غياب منظومة فعالة للتدقيق الصارم في الشهادات، أو آليات قانونية صارمة تُردع هؤلاء، بات هؤلاء المتربصون يتنقلون بين قاعات الجلسات كمحترفين يعرفون من يناصرون، ومتى يتكلمون، وماذا يقولون.
وتكشف مصادر حقوقية أن بعض شهود الزور تحولوا إلى “مهنيين” في الشهادة الكاذبة، يجري استدعاؤهم في أكثر من ملف، خصوصًا في قضايا العقار، والطلاق، ونزاعات الإرث، وأحيانًا في قضايا جنائية حساسة، حيث تصبح الشهادة الحاسمة مفتاحًا لحسم القضية. وهذا ما يدق ناقوس الخطر، فشهادة الزور لا تضر فقط بالأفراد، بل تهدم ركنًا أساسيًا من أركان العدالة.
رغم أن القانون الجنائي المغربي يُعاقب على شهادة الزور، فإن الواقع يكشف عن صعوبات عملية في إثبات الكذب أو فتح متابعات حقيقية ضد الشهود المتورطين. ففي كثير من الحالات، يتراجع المتضرر عن المتابعة، أو لا يتمكن من إثبات أن الشهادة كانت كاذبة عن قصد. كما أن ضغط الزمن القضائي وكثرة القضايا قد يدفع بعض القضاة إلى التغاضي أو الاكتفاء بتدوين التناقضات دون تفعيل المساطر الزجرية.
وتطرح هذه الظاهرة تساؤلات عميقة:
أين دور النيابة العامة في رصد وتتبع شهود الزور؟
لماذا لا يُفعّل بشكل أكبر التتبع الرقمي لتكرار الأسماء في ملفات متعددة؟
وأين الجمعيات المهنية والحقوقية من حملات التحسيس بخطورة هذه الظاهرة التي تُفقر العدالة إلى مصداقيتها؟
إن التصدي لشهادة الزور يجب أن يكون جزءًا من إصلاح شامل لمنظومة العدالة، يشمل تحديث وسائل التحقق من الشهادات، وتفعيل العقوبات دون تردد، واعتماد تقنيات التسجيل والتمحيص الرقمي، إضافة إلى تحفيز ثقافة الشهادة الصادقة لدى المواطنين.
في النهاية، لا يمكن الحديث عن عدالة نزيهة في ظل استمرار شهود الزور في تسميم مسارات القضايا، وإفساد الحقوق، وتهديد أمن الناس الاجتماعي والقانوني. فمحاربة هؤلاء ليست فقط معركة قانون، بل معركة ضمير ووعي جماعي بمسؤولية الشهادة أمام الله والعدالة والتاريخ.










