مستجدات

“اتفاقية مكة” تقلب حسابات طهران.. إيران أمام معادلة أمنية جديدة بين الانضمام والمواجهة

طاقم ALLNEWS11 أغسطس 2026
“اتفاقية مكة” تقلب حسابات طهران.. إيران أمام معادلة أمنية جديدة بين الانضمام والمواجهة

 الجامعي أبو الشتاء

أثارت”«اتفاقية مكة للدفاع المشترك” الموقعة بين السعودية وتركيا وباكستان، موجة واسعة من الجدل داخل إيران، كاشفة عن انقسام واضح في قراءة طهران للتحول الأمني الجديد في المنطقة.

وبينما ذهبت أصوات إيرانية إلى التشكيك في قدرة الاتفاقية على توفير الأمن للسعودية، معتبرة إياها امتداداً لسياسة البحث عن مظلات خارجية، برزت في المقابل مواقف أكثر براغماتية رأت في الاتفاقية تطوراً مهماً قد يعيد رسم خريطة الأمن الإقليمي، بل وذهبت بعض الأصوات إلى الدعوة لانضمام إيران إليها أو استثمار علاقاتها مع أنقرة وإسلام آباد للتأثير في مسارها.

وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف أعاد التذكير بموقف سبق أن عبر عنه بشأن ضرورة بناء تحالفات دفاعية بين الدول الإسلامية.

وقال، في منشور على منصة «إكس»، مرفقاً صورة لمقال سابق له بعنوان «إسرائيل الكبرى ومنطقتنا القوية»، إن التطورات الإقليمية والسياسة الإسرائيلية تجعل الحاجة إلى تحالفات دفاعية شاملة بين الدول الإسلامية أكثر إلحاحاً.

ويعكس هذا الموقف قراءة ترى أن التحدي الأمني في المنطقة لا ينبغي أن يُواجه من خلال تحالفات منفصلة، وإنما عبر صيغة إقليمية أوسع تشمل الدول الإسلامية.

وكان الموقف الأكثر إثارة للانتباه هو ذلك الذي عبّر عنه عبد الله رمضان زاده، المتحدث السابق باسم الحكومة الإيرانية خلال عهد الرئيس محمد خاتمي، إذ دعا طهران إلى التعامل بإيجابية مع الاتفاقية واقتراح الانضمام إليها.

ورأى رمضان زاده أن الاتفاقية، وفق ما أعلنته الدول المشاركة فيها، لا تستهدف دولة بعينها، وبالتالي فإن انضمام إيران إليها يمكن أن يحولها من ترتيب ثلاثي إلى إطار أمني إقليمي أوسع.

كما دعا إلى طرح ميثاق إقليمي تشارك فيه الدول الإسلامية من دون إسرائيل، معتبراً أن طهران تستطيع استثمار علاقاتها مع تركيا وباكستان لدفع التعاون نحو مواجهة التهديدات المشتركة، بدلاً من التعامل مع الاتفاقية باعتبارها مشروعاً موجهاً ضد إيران.

وفي السياق نفسه، رأى حسام الدين آشنا، مستشار الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني، أن الاتفاقية يمكن أن تحمل تداعيات تتجاوز التعاون العسكري المباشر بين الدول الثلاث.

وبحسب هذه القراءة، فإن الاتفاقية قد تؤدي إلى رفع كلفة أي تهديد يطال السعودية، خصوصاً إذا أصبحت تركيا وباكستان أكثر استعداداً للانخراط في حال تعرض المملكة لهجوم.

وتكمن أهميتها، وفق هذا التصور، في إمكانية نشوء نواة لنظام أمني جديد يتمحور حول الرياض وأنقرة وإسلام آباد.

أما صحيفة «دنياي اقتصاد» فرأت أن أهمية الاتفاقية لا تكمن فقط في تفاصيلها القانونية والعسكرية، التي لا تزال بحاجة إلى مزيد من التوضيح، وإنما في توقيتها وتركيبة أطرافها والظروف الإقليمية التي جاءت فيها.

وتطرح هذه القراءة سؤالاً استراتيجياً حساساً أمام إيران: هل ستبقى خارج منظومة الأمن الإقليمي الجديدة، أم ستواجهها، أم تحاول أن تصبح جزءاً منها؟

في المقابل، جاءت أصوات إيرانية محافظة أكثر تشدداً، رافضةً الاعتراف بالاتفاقية باعتبارها ضمانة حقيقية لأمن السعودية.

واعتبر إبراهيم رضائي، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، أن الاتفاق المبرم على الورق بين السعودية وتركيا وباكستان لن يكون كافياً لتوفير الأمن للرياض، مذكراً بأن الاعتماد السابق على الولايات المتحدة لم يمنحها الأمن الذي كانت تبحث عنه.

أما حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة «كيهان» المقربة من مكتب المرشد الإيراني، فذهب أبعد من ذلك في انتقاده للاتفاقية، رابطاً إياها بترتيبات أمنية أخرى في البحر الأحمر وباب المندب.

ورأى شريعتمداري أن هذه التحركات تستهدف، في جوهرها، إيران وحلفاءها الإقليميين، ولا سيما جماعة أنصار الله في اليمن.

 

ومن داخل الدائرة المحافظة أيضاً، هاجم كيان عبد اللهي، رئيس تحرير وكالة «تسنيم» المقربة من الحرس الثوري، الاتفاقية، معتبراً أنها تعكس استمرار السعودية في البحث عن ضمانات خارجية لأمنها.

وذهب إلى وصف السياسة السعودية بأنها نوع من «شراء الأمن» عبر توسيع التعاون مع تركيا وباكستان، بدلاً من مراجعة الاستراتيجية الأمنية للمملكة.

ويرى هذا التيار أن الأمن الحقيقي للمنطقة لا يمكن أن يتحقق من خلال ترتيبات مرتبطة بقوى خارجية أو تحالفات عسكرية جديدة، وإنما عبر نظام أمني إقليمي تشارك فيه جميع دول المنطقة.

فقد اعتبرت وكالة «مهر» أن اتفاقية مكة تمثل واحدة من أبرز المحاولات الأخيرة لإعادة صياغة منظومة الأمن في الشرق الأوسط، لكنها حذرت من التسرع في وصفها بأنها «ناتو الشرق الأوسط».

وترى الوكالة أن الاتفاقية، في مرحلتها الحالية، أقرب إلى إطار سياسي ودفاعي يهدف إلى تعزيز الردع المشترك، وليس بالضرورة إلى تشكيل تحالف عسكري موجه ضد إيران.

وتستند هذه القراءة إلى طبيعة علاقات الدول الثلاث بإيران؛ فالسعودية شهدت خلال السنوات الأخيرة مساراً لخفض التوتر مع طهران، بينما ترتبط باكستان بإيران بعلاقات جوار ومصالح أمنية، في حين تجمع تركيا وطهران علاقات شديدة التعقيد تتداخل فيها المنافسة مع المصالح المشتركة.

وفي ظل غياب إعلان إيراني رسمي مباشر يهاجم الاتفاقية، جاءت رسالة وزير الخارجية عباس عراقجي محملة بإشارات سياسية واضحة.

وأكد عراقجي أن القوات المسلحة الإيرانية أثبتت جاهزيتها وقدرتها على مواجهة قوى عسكرية متطورة، مشدداً على أن المسلمين قادرون، من خلال الوحدة والتكاتف، على مواجهة التحديات الخارجية.

وقرأت وكالة «نور نيوز» المقربة من المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني الرسالة باعتبارها رداً غير مباشر على الاتفاقية.

وبحسب هذه القراءة، فإن طهران لا تعارض من حيث المبدأ التعاون بين السعودية وتركيا وباكستان، لكنها ترفض أن تتحول الترتيبات الأمنية الجديدة إلى نموذج يعتمد على القوى الخارجية أو يؤدي إلى إنشاء اصطفاف إقليمي جديد ضد إيران.

وهكذا تكشف ردود الفعل الإيرانية أن الجدل حول «اتفاقية مكة» يتجاوز بكثير تفاصيل اتفاق دفاعي بين ثلاث دول.

ففي العمق، تدور المعركة حول سؤال أكبر: من سيصوغ منظومة الأمن في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة؟

السعودية تبدو أكثر اهتماماً بتنويع شراكاتها الأمنية، وتركيا تسعى إلى توسيع حضورها الإقليمي، وباكستان تدخل المعادلة بثقلها العسكري وعلاقاتها المتشعبة، بينما تجد إيران نفسها أمام واقع إقليمي جديد قد يفرض عليها الاختيار بين المواجهة أو الانخراط أو محاولة إعادة تشكيل قواعد اللعبة من الداخل.

وفي الوقت الذي لا تزال فيه ملامح الاتفاقية غير مكتملة بما يكفي للحكم عليها باعتبارها تحالفاً عسكرياً متكاملاً، فإن مجرد ظهورها بهذا الشكل يكشف تحولاً مهماً: دول المنطقة بدأت تبحث بصورة متزايدة عن ترتيبات أمنية تستطيع من خلالها تقليص اعتمادها على المظلات الخارجية.

وبالنسبة إلى طهران، قد يكون التحدي الحقيقي ليس في الاتفاقية ذاتها، وإنما في السؤال الذي تفرضه: هل تستطيع إيران أن تكون جزءاً من هندسة الأمن الإقليمي الجديد، أم ستجد نفسها أمام منظومة تتشكل من دونها؟

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة