فاس : فدوى نايم
بين الأزقة العتيقة لفاس و قبابها التاريخية ومعمارها الفريد، وتحت سماء إفران وبين هدوء غاباته وألوان طبيعته الآسرة وبالضبط بجامعة الأخوين، ارتفعت أنغام البيانو والكمان والفلات و الجيتار، لتروي قصة لقاء حضارتين عبر الموسيقى، لمواهب إيطالية شابة حملت الروح الفنية، إلى المغرب الذي احتضن هذا الأخير، فعاليات مهرجان المواهب الفنية، للشباب الايطاليين في العالم، خلال الفترة الممتدة من 28 يناير إلى غاية 5 فبراير 2026، والتي استضافته كل من مدينة إفران وفاس .
حيث اختتمت ليلة أمس، فعاليات المهرجان، بحفل فني بمدينة الموسيقى الروحية فاس، مكان ما ينبض قلب مدينتها العتيقة، وتتشابك الأزقة ويتغنى التاريخ من جدران قصورها و مآذن مساجدها ، التقى سحر المعمار الفاسي بعمق التراث الموسيقي الإيطالي، في حوار حضاري بديع، هنا في – فاس المدينة الروحية – التي تكتظ بروائع فنية مطرزة على الحجر والخشب، أبدع أحد المواهب الشابة الإيطالية، عرضه على البيانو لتنساب النغمات فوق أسقف المعهد الجامعي للموسيقى والفن الكوروغرافي .
كما لو كانت امتدادا طبيعيا لجمال الحفلات والعروض التي قدمت في مدينة إفران، حيث تلاقى التنوع الثقافي مع الأناقة الموسيقية، في تجربة فنية لا تنسى، وأثبتت أن الفن- بابتسامته ونغماته – قادر على بناء جسور تواصل حية بين الشعوب، وترسخ قيم الاحترام والتفاهم بين الثقافات.

بحضور السفير الإيطالي بالمغرب، السيد بسكوالي سالزانو Pasquale Salzano , الذي عبر من خلال كلمته بالحفل الاختتامي، عن سروره بأن تكون إيطاليا ممثلة، عبر شبابها الموهوب في هذا المهرجان . حيث يجسد هذا الحدث الثقافي، نموذج حي للدبلوماسية الثقافية الناعمة، كون الفن مساحة مشتركة للحوار، و فضاء يعزز قيم التفاهم و التقارب بين الشعوب ، بما يسهم في ترسيخ جسور التعاون و الانفتاح بين الثقافات .
وفي مشهد ثقافي يعكس عمق الروابط الحضارية، بين ضفتي المتوسط قدم الشاب الموهوب Alessandro Zilioli ، التي تألقت أنامله بالعزف على لوحة البيانو، حين عزف على إيقاعات بيتهوفن، هذا الأخير ، تحس معه و كأنه لا يعزف البيانو….. بل يصارع، الإيقاع لديه قوة نابضة، ضربات تشبه دقات قدر لا يلين، ثم فجأة ينساب لحن رقيق ،كإعتراف خافت بعد عاصفة – موسيقى وانتقال دائم بين التحدي والإنكسار بين الصرامة والحنين، حتى تشعر أن المفاتيح البيضاء والسوداء، تتحول إلى ساحة ملحمة إنسانية كاملة، تتفجر كذبذبات على مسامع كل الحضور الموجودة .

و في هدوء لافت، تسللت رسالة سرية إلى قلوب الحاضرين، خلال عزف مقطوعة موزارت، وكأنه ضوء صافي بإيقاعات متوازنة، مشرقة، تنساب بوضوح كجدول ماء في صباح ربيعي خلف بساطته الظاهرة ، و كأنه عمق هندسي تبتسم له الروح… لكنها تبتسم بذكاء عبقري .
وهكذا بين عاصفة بيتهوفن، وحنين شوبان، بين توهج ليزت، ونقاء موزارت، بين ضباب ديبوسي، وهندسة باخ المحكمة، يتجلى البيانو على شكل كون كامل يحتضن تناقضات الإنسان كلها،
إنه ليس مجرد آلة، ذات مفاتيح بيضاء وسوداء بالمسرح، بل سلسلة تتعاقب عليها المشاعر من الهمس إلى الإنفجار ومن التأمل إلى الثورة، في كل عزف حياة تتجدد فيه أرواح هؤلاء العباقرة، وتتحول النغمات إلى جسور تعبر كل الحدود ، واللغات والأزمنة، هناك في تلك اللحظة التي يلامس فيها العازف المفتاح يختفي الصمت، ليولد عالم آخر عالم لا يرى بل يحس …

” لقد برهن المهرجان أن الموسيقى والفنون، قادرة على اختصار المسافات وصناعة، لقاء إنساني صادق، تتلاقى فيه الهويات دون حواجز لتتحول المنصات الثقافية، إلى جسور تواصل حقيقية، بين الشعوب “، هكذا أعربت مديرة المعهد الثقافي الإيطالي بالرباط، السيدة كارميلا كاليا، عن نجاح الدورة الثالثة، أمام نخبة من ممثلي وضيوف الجهات المنظمة المشتركة، بين اللجنة والسفارة الإيطالية في المملكة المغربية، والمعهد الثقافي الإيطالي بالرباط، ومؤسسة روح فاس وجامعة الأخوين، ومعهد الجامعي للموسيقى والكوروغرافية. كما تقدمت بالشكر لكل من ساهم في إنجاح هذا الحدث الثقافي و الفني الرائع .









