افتتاحية ALL NEWS
حين تعجز السلطة عن إقناع الشارع، تبدأ في تخويفه. وحين تفشل السياسة في امتصاص الغضب، يتقدم الأمن إلى الواجهة. وهذه، بكل وضوح، هي الصورة التي بدأت تتشكل من جديد في الجزائر، حيث يبدو أن السلطة تتعامل مع تنامي الانتقادات ودعوات الاحتجاج بمنطق أمني أكثر منه سياسي أو اجتماعي.
المشهد لا يحتاج إلى كثير من التأويل: مقاطع متداولة لعمليات توقيف، نقاش محتدم على منصات التواصل الاجتماعي، اتهامات متبادلة، وخطاب رسمي وإعلامي يميل إلى تفسير كل حركة احتجاجية باعتبارها استهدافاً للبلاد أو مؤامرة تديرها أطراف من الخارج.
لكن السؤال الذي يهرب منه الجميع هو الأبسط والأكثر إزعاجاً: لماذا يستطيع هاشتاغ أن يزعج نظاماً بكل مؤسساته وأجهزته؟
الجواب ليس بالضرورة في الهاشتاغ نفسه، وإنما في البيئة التي تسمح له بالانتشار.
فالغضب الشعبي لا تصنعه الهواتف الذكية، ولا تخلقه منصات التواصل من فراغ. مواقع التواصل قد تمنح الغاضبين مساحة للتعبير، وقد تسرّع انتقال الرسائل، لكنها لا تستطيع اختراع البطالة، ولا ارتفاع الأسعار، ولا صعوبات المعيشة، ولا الإحساس بانسداد الأفق، ولا أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة الجزائرية.
بدلاً من أن تسأل السلطة: لماذا يغضب الناس؟ يبدو أن السؤال يتحول إلى: من الذي جعلهم يغضبون؟
وبين السؤالين مسافة سياسية هائلة.
فالأول يقود إلى الإصلاح والحوار والإنصات، بينما الثاني يقود إلى البحث عن متهمين، ومطاردة النشطاء، وتشديد الرقابة، وإقناع الرأي العام بأن المشكلة ليست في الواقع وإنما في الأشخاص الذين يتحدثون عنه.
وإذا صحت المعطيات المتداولة بشأن توقيف نشطاء على خلفية دعوات للاحتجاج، فإن الطريقة التي تتم بها عمليات التوقيف تصبح قضية لا تقل أهمية عن الاعتقال نفسه. فالدولة القوية لا تحتاج إلى استعراض القوة لإثبات قوتها، والقانون لا يحتاج إلى العنف كي يكون قانوناً.
أما عندما تتحول مشاهد التوقيف القاسي إلى مادة تتناقلها الهواتف، فإن السلطة تخسر معركة الصورة حتى قبل أن تبدأ معركة الرواية.
الأخطر أن سياسة التخويف قد تمنح الشارع صمتاً مؤقتاً، لكنها لا تمنحه رضاً. والفرق بين الصمت والرضا هو بالضبط الفرق بين أزمة مؤجلة وأزمة محلولة.
لقد عرف العالم العربي نماذج كثيرة لأنظمة اعتقدت أن السيطرة على الشارع تعني السيطرة على أسباب الغضب. ثم اكتشفت، متأخرة، أن الاحتقان لا يختفي عندما تختفي المظاهرات من الشوارع، بل ينتقل إلى البيوت والهواتف والمنصات الرقمية.
ومن هنا، فإن تحويل كل احتجاج إلى “مؤامرة خارجية” قد يكون أسهل من الاعتراف بوجود اختلالات داخلية، لكنه لا يحل المشكلة.
نعم، من حق أي دولة أن تواجه التحريض على العنف، وأن تحمي مؤسساتها، وأن تطبق القانون على الجميع. لكن ذلك شيء، وتجريم الغضب السلمي أو التعامل مع كل صوت معارض باعتباره عدواً للدولة شيء آخر تماماً.
والجزائر، التي دفعت ثمناً باهظاً خلال عقود سابقة من الصراع والعنف، ليست بحاجة إلى استعادة لغة الخوف. ما تحتاجه هو العكس تماماً: مزيد من الثقة، ومزيد من السياسة، ومزيد من القدرة على الاستماع.
فالدولة التي تثق في شرعيتها لا تخشى النقد.
والنظام الذي يمتلك إجابات مقنعة لا يحتاج إلى إسكات الأسئلة.
أما تحويل الشارع إلى منطقة ممنوعة، وتحويل مواقع التواصل إلى غرفة اتهام، وتحويل كل منتقد إلى متآمر، فلن يؤدي في النهاية إلا إلى توسيع المسافة بين السلطة والمجتمع.
وفي ALL NEWS، لا نعتقد أن المشكلة تبدأ عندما يخرج المواطن إلى الشارع؛ المشكلة تبدأ قبل ذلك بكثير، عندما يشعر المواطن بأن صوته لا يصل إلا إذا ارتفع، وأن شكواه لا تُسمع إلا إذا تحولت إلى أزمة.
فالاستقرار الحقيقي لا تصنعه القبضة الأمنية وحدها، ولا تصنعه الاعتقالات، ولا تصنعه حملات التخويف.
الاستقرار يُبنى عندما لا يجد المواطن سبباً للانفجار.
أما إذا كان الرد على الغضب هو المزيد من الاعتقال ، فالسؤال الذي سيبقى معلقاً فوق المشهد الجزائري هو: هل تنجح السلطة في إسكات الشارع، أم أنها تؤجل فقط لحظة سماعه؟










