ينص الفصل 30 من هذا الفصل واضح يا رؤساء الجماعات الترابية المغربية في إلزام جماعاتكم بالعمل إلى جانب المسؤولين في الثقافة والنهوض الثقافي بالجماعات المحلية. لكن الملاحظ أنه رغم الإمكانات المادية والتقنية التي تتوفر لدى الكثير من المجالس البلدية، فإن هذه الأخيرة قلما تهتم بالقطاع الثقافي، بل تتجاهل وجود الجمعيات الثقافية وتحرمها من كل المساعدات والتشجيعات والمنح.
إن المجالس البلدية أينما كانت ملزمة أن تضع في أولويات برامجها الاهتمام بالمجال الثقافي، هذه التطلعات الوطنية التي تأكدت بجلاء خلال اليومين الدراسيين اللذين نظمتهما وزارة الشؤون الثقافية بتطوان يومي 25 و26 ماي 93 تحت شعار “الثقافة واللامركزية” وقد جاء في الرسالة الملكية السامية الموجهة لهذه المناظرة ما يلي:
“لقد عملت اللامركزية التي اعتمدناها منذ وقت مبكر، قاعدة أساسية لنظامنا السياسي والاجتماعي، على دعم الحريات والديمقراطية وتقويم النظام الاقتصادي ، وحررن منبرا من الطاقات الخلاقة التي تعمل اليوم في شتى الميادين على مجابهة التحدي الذي تواجهه بلادنا. وعلينا اليوم أن نوفر للامركزية الثقافية كل حظوظ النجاح وتمكينها من الآليات الضرورية التي يجب أن تتضافر على إيجادها وتطويرها وزارتنا في الشؤون التي أكسبتها الأيام والسنون – ولله الحمد – تجارب مهمة وخبرة واسعة وذلك بمشاركة كل الإدارات التي تسعى من أجل ترقية الإنسان المغربي، وتطوير المجتمع المغربي” (انتهى حديث جلالته).
يتضح من هذا أن اختصاصات المجالس المحلية تشمل أيضا دعم اللامركزية الثقافية وعليها أن تعمل على تطبيق التعليمات الملكية السامية وتنهج عملا بنيويا متكاملا لتطوير البنيات الثقافية عملا بالاقتراحات التالية:
- تنظيم مهرجانات ثقافية وفنية محلية.
- إقامة أسابيع ثقافية وسياحية بشكل مستمر.
- تشجيع ودعم الجمعيات الثقافية وكل ما هو ثقافي.
ومطلوب منا أيضا مناقشة القضايا الثقافية جماعيات، وعقد مهرجانات لعناصرها، والاحتفاء بالقائمين بها، ومساعدة الذين ينهضون بالفعل الثقافي في وقت يتحول فيه الجميع إلى العزوف عن هذا الميدان…
و بالرجوع إلى تجربة الجماعات الترابية طيلة العقود الخمسة التي خلت في ميدان الثقافة، نجد أنها كانت ومازالت تعانى من إكراهات كثيرة وصعوبات عميقة نتيجة عوامل متداخلة ومعقدة، فالإطار المؤسساتي غلب عليه التسيير التقليدي نتيجة سوء التنظيم وتبذير الإمكانات ، وطاقات الجماعات عوض استثمارها في مجال الثقافة وقطاعات منتجة تعود بالنفع على الساكنة، كما أن النصوص العمومية عانت بدورها من العمومية ، والمصطلحات الفضفاضة وتداخل في الاختصاص والمسؤوليات، وقد زاد من ضعف مردودية الوحدات اللامركزية، محدودية كفاءة الموارد البشرية، سواء تعلق الأمر بالمنتخبين أو الموظفين المحليين اللذين لازالوا قيد الإطار الكلاسيكي لتسيير الجماعات الترابية والمحددة أساسا في تقديم الشواهد الإدارية والأعمال اليومية الروتينية … بعيدة كل البعد عن النهوض بالثقافة .
إن الجماعات الترابية، مطالبة بالاهتمام بالمسألة الثقافية موازاة مع موجات التغيير التي تعرفها البلاد، من تحول في المجال الثقافي في تراكماته وتعبيراته وامتداداته وعناصره ولغاته، لأن الثقافي مدخل للفعل السياسي الذي يستهدف ترسيخ قيم المواطنة والقيم الثقافية والجمالية والدفاع عن الفن والثقافة، فلا مستقبل دون قواعد وبنيات ثقافية وذهنية، مما يفرض انتهاج سياسة القرب من المجال الثقافي وتأسيس نموذج جديد لإنتاج الرموز والإبداعات الفنية لتحقيق الانتظارات، من خلال صناعة ثقافية تقوم على اعتماد سياسة مهيكلة للأعمال الفنية وسن استراتيجية محلية وجهوية للثقافة، وهي في الوقت نفسه أساس التنمية التي ينشدها الفرد المواطن، والقائمة على نموذج جديد يبلور مشروعا هوياتيا يتجاوز الانغلاق نحو الانفتاح كما يتجاوز التقليد نحو التجديد. l
الجامعي بوشتى









