هاشم الخياطي
في الأنظمة الديمقراطية الحديثة، تُفصل السلطات والمسؤوليات لضمان الكفاءة والشفافية في الأداء. ومع ذلك، قد تُطرح أحيانًا حالات استثنائية، كأن يجمع شخص واحد بين مهمتين كبيرتين مثل وزارة سيادية ورئاسة مجلس بلدي. رغم أن ذلك قد يبدو تعزيزًا للخبرة والتنسيق بين المستويات المركزية والمحلية، إلا أن الواقع يكشف غالبًا عن عكس ذلك، إذ تبرز عدة تحديات تؤثر سلبًا على أداء كلتا المهمتين.
في زمنٍ تُرفع فيه شعارات الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، ما زلنا نرى من يصرّ على الجمع بين مهمتين تستدعي كل منهما تفرغًا كاملًا وكفاءة متخصصة: مهمة وزير في الحكومة، ورئاسة مجلس بلدي.
بكل واقعية، لا يمكن لأي مسؤول مهما بلغت خبرته أو حماسه، أن ينجح في تسيير وزارتين في آن واحد، فما بالك عندما تكون واحدة منهما محلية تتطلب الحضور الميداني الدائم والتواصل اليومي مع المواطنين، والأخرى مركزية تستوجب التواجد في دواليب الدولة والسفر خارج الوطن أحيانًا.
هل هي رغبة في تعزيز النفوذ؟ أم مجرد غياب لقوانين حازمة تمنع هذا التداخل؟ لا يهم. ما يهم هو أن المواطن يدفع الثمن: تأخر في المشاريع، غياب المسؤول، وتضارب في المصالح.
الوزير يعمل ضمن حكومة وطنية ويُعنى بتنفيذ سياسات عامة شاملة، بينما رئيس المجلس البلدي ينشغل بالقضايا المحلية اليومية، كالبنية التحتية والنظافة والإنارة وتعبيد الأزقة والممرات والتخطيط الحضري. هذا التباين في الأولويات يخلق صراعًا داخليًا في توزيع الجهد والوقت، ما يؤدي غالبًا إلى إهمال أحد الجانبين أو التعامل معه بسطحية.
كل من المهمتين تتطلب تفرغًا تامًا، وفريق عمل كبير، وقرارات مستمرة. الوزير مدعو للسفر والاجتماعات الدورية مع نظرائه في الخارج ، بينما يتعين على رئيس البلدية التواجد ميدانيًا والاحتكاك المباشر مع السكان. الجمع بين المهمتين يؤدي إلى إجهاد كبير وغياب شبه دائم عن إحداهما.
من الناحية السياسية، قد يُنظر إلى هذا الجمع كمظهر من مظاهر تركّز السلطة أو تضارب المصالح، خصوصًا إذا تم توجيه قرارات مركزية لخدمة أجندة محلية. وهذا قد يضعف ثقة المواطنين ويشكك في نزاهة صاحب المنصبين.
التجارب في المغرب ، وبحسب سياسيين متتبعين، أثبتت أن التوفيق بين مهمتين بهذا الحجم نادرًا ما يُكلل بالنجاح. وغالبًا ما ينتهي الأمر بإخفاق في تحقيق الإنجازات المرجوة، لا لضعف الشخص المعني، بل لثقل العبء وتعدد الالتزامات، ما يجعل من المستحيل تقريبًا تلبية تطلعات الجهتين.
في العديد من الدول، وقعت محاولات للجمع بين مناصب تنفيذية وطنية ومحلية، وقد أثبتت هذه التجارب غالبًا محدودية فعاليتها.
لذلك فإن السياق المغربي، أثار الجمع بين منصب وزير ورئيس مجلس بلدي جدلًا واسعًا في عدة مناسبات، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمدن كبرى كفاس، أومراكش، أو الدار البيضاءأ وأكادير. حيث اشتكى المواطنون من ضعف التتبع المحلي وغياب المسؤول عن الشأن الجماعي، ما أدى إلى تعثر مشاريع تنموية وتفاقم مشاكل التسيير الحضري.
يرى العديد من الفاعلين السياسيين أن الجمع بين المنصبين يضعف مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، إذ من الصعب تتبع أداء شخص واحد على جبهتين مختلفتين.
كما أن بعض الفقهاء الدستوريين يؤكدون أن هذا الجمع قد يمس بمبدأ التنافي، الذي يهدف إلى منع التركيز الزائد للسلطة وضمان استقلالية القرار المحلي عن التأثيرات المركزية.
تصاعدت الدعوات في بعض البلدان إلى سنّ قوانين تمنع الجمع بين مناصب تنفيذية وطنية ومحلية، حمايةً للديمقراطية التمثيلية وتحقيقًا لحكامة جيدة. وقد تم فعلاً في بعض الدول الأوروبية منع هذا النوع من الجمع، مما ساهم في تعزيز فعالية المجالس المحلية واستقلاليتها.
إذا كان التوفيق بين المهام مستحيلًا واقعيًا، فإن الاستمرار في السماح بهذا النوع من الجمع لا يخدم المصلحة العامة. من الضروري أن يختار المسؤول بين خدمة الوطن من موقعه الوزاري، أو التفرغ لخدمة مدينته أو جماعته من موقعه البلدي، مع ضمان انتقال سلس للمهام وتكافؤ الفرص للآخرين.
الجمع بين مهمة وزير ورئيس مجلس بلدي يُعد مثالًا صارخًا على سوء توزيع المهام، وقد يؤدي إلى عرقلة الأداء في كلتا الوظيفتين. من الأفضل في مثل هذه الحالات اعتماد مبدأ الفصل والتخصص، حتى يُعطى كل منصب حقه من الوقت والتفرغ والكفاءة. فالنجاح في الإدارة، سواء على المستوى المحلي أو الوطني، يحتاج إلى تركيز وجهد متكامل، لا يمكن تحقيقه بتشتت الأدوار والمهام .
نأخذ المغرب مثالًا، وكم من مسؤول سياسي تولى وزارة وفي نفس الوقت حافظ على رئاسة جماعة كبرى. ما النتيجة؟ تذمر ساكنة، جمود في الأوراش، وفقدان الثقة في النخب. والمفارقة أن الجميع يرى الخلل، ولا أحد يتحرك لإصلاحه.
الأدهى أن الجمع بين المنصبين يضعف كل واحد منهما. فالمسؤول مشتّت، والإدارة تترنح، والقرار المحلي يصبح رهينًا بإكراهات السياسة المركزية.
إنه ليس تشكيكًا في نية أو كفاءة أحد، بل دعوة صريحة للفصل بين المهام. فإما أن تختار أن تكون وزيرًا لخدمة الوطن، أو رئيسًا بلديًا لخدمة المدينة. الجمع بينهما لا يضمن التكامل، بل غالبًا ما يؤدي إلى التقصير.
حان الوقت لتعديل النصوص، وتفعيل مبدأ التنافي بشكل واضح، حتى نُعلي من قيمة المسؤولية ونُعيد للمواطن ثقته في ممثليه.







